الدولة المشلولة… كيف ستسابق العالم وهي عاجزة عن إدارة نفسها؟

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
أي حديث عن بناء دولة حديثة في لبنان لم يعد يقنع أحدًا، ما دامت السلطة عاجزة عن تنفيذ أبسط الإصلاحات التي يعرفها العالم منذ عقود. فكيف يمكن لدولة مشلولة، مثقلة بالمحاصصة، ومكبلة بالتدخلات السياسية، أن تدّعي استعدادها للمشاركة في سباق التنمية والاقتصاد الرقمي والاستثمار العالمي؟
إن الفساد في لبنان لم يعد مجرد حالات فردية، بل أصبح ثقافة سياسية وإدارية سمحت بتراجع الدولة حتى أصبحت مؤسساتها عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية. والأسوأ أن الجميع يتحدث عن مكافحة الفساد، بينما لا تزال أدوات إنتاجه قائمة كما هي.
يقول المثل: “تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى.” وهذه ليست عبارة إنشائية، بل قاعدة إصلاحية. فلا يمكن مطالبة الموظف الصغير بالنزاهة فيما تُترك مراكز القرار بعيدة عن المحاسبة، ولا يمكن مطالبة المواطن باحترام القانون فيما يشاهد الاستنسابية والمحسوبيات تتحكم بمصير الدولة.
أول خطوة في أي إصلاح حقيقي هي المكننة الكاملة للإدارة العامة. فكل معاملة تتم إلكترونيًا تعني فرصة أقل للرشوة، وكل قرار يخضع لنظام رقمي قابل للتدقيق يعني مساحة أضيق للفساد. فلماذا لا تزال الإدارات تعمل بعقلية الورق والطوابير والأختام؟ ماذا ننتظر؟ ومن المستفيد من إبقاء الإدارة متأخرة عن العصر؟
أما الوظيفة العامة، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة نفوذ سياسي بدل أن تكون خدمة وطنية. لذلك، لا إصلاح من دون رفع يد السياسيين بالكامل عن التوظيف والإدارة، واعتماد مباريات شفافة، وإسناد الوظائف إلى أصحاب الكفاءة فقط، لا إلى أصحاب الولاءات والانتماءات.
لقد دفع اللبنانيون ثمن المحاصصة مرات لا تُحصى.. انهيار مالي، هجرة الشباب، تراجع الخدمات، فقدان الثقة بالمؤسسات، وتعطيل الاستثمار. وكل ذلك لأن معيار الكفاءة تراجع أمام معيار القرب من مراكز النفوذ.
ولا يمكن تجاهل أزمة الثقافة الوطنية. فما دامت الطائفة والحزب والزعيم تتقدم على الدولة في سلم الأولويات، فسيبقى الوطن الحلقة الأضعف. فالدولة لا تُبنى بولاءات متفرقة، بل بمواطن يرى في القانون مرجعيته الأولى، وفي المصلحة العامة هدفه الأعلى.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي حققت نهضتها لم تفعل ذلك بالشعارات، بل بالإدارة الرشيدة، والشفافية، والرقمنة، واستقلال القضاء، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما الاستمرار في إدارة لبنان بالأساليب نفسها، ثم انتظار نتائج مختلفة، فهو إصرار على الدوران في الحلقة المفرغة.
إن اللبنانيين لا يريدون خطابات جديدة، بل يريدون دولة تحترمهم، وتحترم أموالهم، وتحترم وقتهم، وتمنح أبناءهم فرصة للبقاء بدل دفعهم إلى الهجرة.
إنقاذ لبنان لن يبدأ بخطاب، او بسفريات ولقاءات بل بقرار شجاع يقطع مع عقلية المحاصصة، ويؤسس لدولة القانون والكفاءة، حيث لا يكون الولاء إلا للوطن، ولا تكون الوظيفة العامة غنيمة، بل مسؤولية، ولا يكون المسؤول فوق المحاسبة، بل أول من يخضع لها.
عندما تصبح الدولة أقوى من المصالح، والقانون أقوى من النفوذ، والكفاءة أقوى من الوساطة، عندها فقط يمكن للبنان أن يدخل سباق المستقبل. أما اليوم، فإن أكبر خطر يواجهه ليس نقص الإمكانات، بل غياب الإرادة في الإصلاح.