هل يتحضَّر الناتو لحربٍ ضد إيران؟ بين الوقائع والتقديرات

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
مع اتساع الضربات الأمريكية ضد إيران، عاد السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أصبح حلف شمال الأطلسي (الناتو) على أعتاب حرب مباشرة مع إيران، أم أن ما يجري لا يزال في إطار دعم الولايات المتحدة دون الانخراط في مواجهة جماعية؟
الوقائع حتى الآن تشير إلى أن الناتو، بصفته حلفًا عسكريًا، لم يُعلن أي قرار رسمي بشن حرب على إيران، كما لم تُفعَّل آليات العمل العسكري الجماعي في هذا الملف. إلا أن ذلك لا يعني أن الحلف يقف على الحياد؛ فهناك دعم سياسي واضح للموقف الأمريكي من عدد من الدول الأعضاء، إلى جانب تعاون استخباراتي ولوجستي وعسكري يهدف إلى حماية المصالح الغربية والقواعد العسكرية وخطوط الملاحة.
السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الحالية يتمثل في استمرار الولايات المتحدة بقيادة العمليات العسكرية، مع مشاركة بعض الدول الحليفة بقرارات وطنية مستقلة، وليس تحت راية الناتو. وهذا النموذج سبق أن شهدناه في أزمات دولية سابقة، حيث تتشكل تحالفات تقودها واشنطن من دون أن يتحول الحلف الأطلسي بأكمله إلى طرف مباشر في الحرب.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن استمرار التصعيد قد يغيّر قواعد الاشتباك. فإذا توسعت الهجمات الإيرانية لتطال قواعد أو قوات تابعة لدول أوروبية أعضاء في الناتو، أو إذا تعرضت المصالح الغربية لضربات واسعة، فقد يزداد الضغط داخل الحلف لاتخاذ خطوات عسكرية أكثر حزمًا، وإن كان الوصول إلى حرب جماعية سيظل قرارًا سياسيًا بالغ التعقيد.
ومن هنا، فإن مراقبة المؤشرات المقبلة تصبح أمرًا بالغ الأهمية، وفي مقدمتها، أي إعلان عن نشر قوات إضافية للناتو في المنطقة، أو تشكيل قوة بحرية مشتركة، أو صدور قرارات جماعية تتجاوز الدعم السياسي إلى المشاركة العسكرية المباشرة.
في تقديري، تسعى الولايات المتحدة اليوم إلى تحقيق أكبر قدر من الضغط على إيران، مع المحافظة على وحدة الموقف الغربي وتجنب التورط في حرب إقليمية مفتوحة يصعب التحكم بمسارها. لكن التاريخ يُظهر أن الحروب الكبرى كثيرًا ما تبدأ بتصعيد محدود، ثم تتوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو ردود فعل متبادلة تتجاوز النيات الأصلية.
لذلك، يبقى السؤال مفتوحًا، هل ينجح الغرب في إبقاء المواجهة ضمن حدودها الحالية، أم أن الشرق الأوسط يقف بالفعل على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة والعالم؟
الأيام المقبلة وحدها ستجيب عن هذا السؤال.

حرب التهديدات… من سيربح إذا اشتعل العالم؟
لم تعد الحروب تبدأ بالدبابات، ولا بالصواريخ، ولا حتى بالطائرات. لقد أصبحت تبدأ بجملة.
جملة واحدة قد تُطلق من منصة إعلامية، أو من مؤتمر صحافي، أو من بيان رسمي، فتتحول إلى رسالة ردع، ثم إلى أزمة، ثم إلى حرب.
هذا ما نشهده اليوم في المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أنه إذا تعرض للاغتيال في عملية تُنسب إلى إيران، فإن الرد سيكون ساحقًا، متحدثًا عن آلاف الصواريخ الجاهزة لاستهداف إيران. ولم يكن الهدف من هذا التصريح مجرد إطلاق تهديد، بل رسم معادلة جديدة مفادها أن أمن الرئيس الأميركي أصبح جزءًا من الأمن القومي الأميركي، وأن أي استهداف له ستكون له عواقب استراتيجية تتجاوز حدود أي رد تقليدي.
في المقابل، خرج مجتبى خامنئي، الذي بقي بعيدًا عن الإعلام ونادر الظهور منذ توليه منصب المرشد الأعلى، ببيان تعهّد فيه بالثأر لوالده، واعتبر أن الانتقام “مطلب وطني”، مضيفًا أن “أحرار العالم” سيشاركون في تحقيقه.
هنا، لم تعد القضية مجرد تبادل للتهديدات، بل تحولت إلى معركة إرادات، يحاول فيها كل طرف إقناع خصمه بأن ساعة الحساب ستأتي، وأن الثمن سيكون باهظًا.
وزير الحرب الأميركي صرح ايضاً إيران اتخذت خيارا خاطئا والآن ستدفع الثمن..
لكن السؤال الحقيقي ليس من هدّد أكثر…
السؤال هو، من يملك القدرة على التحكم بما قد يحدث بعد إطلاق هذه التهديدات؟
التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لم تبدأ دائمًا بقرارات مدروسة، بل بدأت أحيانًا بخطأ في التقدير، أو بمعلومة استخباراتية غير مكتملة، أو بعملية نفذها طرف ثالث استطاع أن يدفع الآخرين إلى المواجهة.
وهنا يكمن أخطر ما في المشهد الحالي.
فلو وقع اغتيال للرئيس الأميركي، أو حتى محاولة اغتيال، فإن العالم سيدخل في سباق مع الزمن لتحديد المسؤول. لكن هل سيكون هناك وقت كافٍ لانتظار نتائج التحقيقات؟ أم أن التصريحات المسبقة والاتهامات المتبادلة ستدفع إلى استنتاجات سريعة قد تُبنى عليها قرارات مصيرية؟
لا توجد أي أدلة تشير إلى أن مثل هذا السيناريو سيقع، ولا إلى أن أي جهة بعينها ستكون مسؤولة عنه. لكن مجرد طرح هذا الاحتمال يكشف هشاشة اللحظة الدولية، حيث يمكن لحادث واحد أن يغيّر مسار السياسة العالمية.
ولهذا السبب، تعيش أجهزة الاستخبارات في العالم حالة استنفار دائم. فهي لا تراقب الجيوش فقط، بل تراقب الرسائل، والاتصالات، والتحركات، والتمويل، والهجمات السيبرانية، وأي إشارة قد تدل على أن الحرب النفسية توشك أن تتحول إلى حرب فعلية.
والمفارقة أن العالم سمع خلال العقود الماضية عشرات الوعود بالانتقام، ومئات التهديدات بردود مدمرة، لكن كثيرًا منها بقي ضمن إطار الردع السياسي ولم يتحول إلى مواجهة شاملة.
فالتهديد في العلاقات الدولية لا يعني دائمًا نية التنفيذ، بل قد يكون وسيلة لمنع التنفيذ. إنه لغة تهدف إلى تغيير حسابات الخصم أكثر مما تهدف إلى إطلاق النار.
ومع ذلك، يبقى الخطر قائمًا.
فكلما ارتفع سقف التهديدات، تقلص هامش الخطأ. وكلما ارتفعت حدة الخطاب، ازدادت احتمالات سوء الفهم وسوء التقدير. وعندما تصبح القرارات رهينة الانفعال أو الضغط السياسي، قد تتحول كلمة إلى أزمة،والأزمة إلى حرب.
إن الشرق الأوسط لا يقف اليوم أمام حرب صواريخ فقط، بل أمام حرب روايات، وحرب استخبارات، وحرب رسائل، وحرب أعصاب. وفي مثل هذه الحروب، قد لا يكون المنتصر هو من يطلق الصاروخ الأول، بل من ينجح في منع إطلاقه.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة:
هل تنجح لغة الردع في منع الحرب… أم أن كثرة التهديدات ستجعل الحرب هي اللغة الوحيدة المتبقية؟