عندما ينتصر الغباء السياسي على المصلحة الوطنية

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

ليست كل الأوطان التي تنهار تسقط بفعل الحروب أو الاحتلالات، بل إن كثيراً منها يسقط أولاً عندما ينتصر الغباء السياسي على المصلحة الوطنية. وعندها، لا يعود الوطن هو الأولوية، بل تتحول السلطة إلى غاية، والمصالح الضيقة إلى عقيدة، والشعب إلى مجرد رقم يُستدعى في الانتخابات ويُنسى عند اتخاذ القرارات المصيرية.

إن الغباء السياسي لا يعني نقصاً في الذكاء، بل هو الإصرار على اتخاذ قرارات يعرف أصحابها أنها ستقود إلى الكارثة، ثم البحث لاحقاً عن شماعات لتعليق الفشل عليها. إنه العجز عن رؤية ما هو أبعد من المكسب الآني، وعدم إدراك أن الدول تُبنى بالتخطيط والرؤية، لا بالمغامرات والشعارات والانفعالات.

وحين تصبح المصلحة الوطنية آخر ما يُفكَّر فيه، يبدأ الانهيار بصمت. تنهار الثقة بين المواطن والدولة، ويغادر الشباب لأنهم فقدوا الإيمان بالمستقبل، ويهرب المستثمر لأنه لا يجد استقراراً، وتضعف المؤسسات لأن الولاء يحل محل الكفاءة، ويصبح القانون مجرد نصوص تُطبَّق على الضعفاء وتُعطَّل أمام أصحاب النفوذ.

إن الوطن لا ينهار في يوم واحد، بل يُستنزف ببطء. كل قرار خاطئ يقتطع جزءاً من مستقبله، وكل خلاف عقيم يسرق فرصة للنهوض، وكل رهان فاشل يدفع ثمنه المواطن من لقمة عيشه وكرامته وأمنه.

وليس أخطر على أي دولة من سياسي يعتقد أن انتصاره الشخصي أهم من انتصار وطنه. فعندما تتحول السياسة إلى صراع على النفوذ بدلاً من أن تكون إدارة لمصالح الناس، يصبح الوطن مجرد ساحة لتصفية الحسابات، ويغدو الشعب وقوداً لمعركة لا ناقة له فيها ولا جمل.

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تُقاس بعدد الخطب الرنانة، ولا بحجم الشعارات، بل بقدرتها على حماية شعبها، وصون سيادتها، وبناء اقتصادها، وترسيخ العدالة فيها. أما الذين يخلطون بين مصلحة الوطن ومصالحهم الخاصة، فإنهم قد يربحون جولة سياسية، لكنهم يخسرون وطناً بأكمله.

إن المصلحة الوطنية ليست شعاراً يُرفع عند الأزمات، بل هي معيار تُقاس به القرارات والمواقف. وكل قرار لا يحفظ كرامة المواطن، ولا يعزز قوة الدولة، ولا يحمي مستقبل الأجيال، هو قرار يبتعد عن جوهر الوطنية مهما كانت المبررات.

سيأتي يوم يطوي فيه التاريخ أسماء الجميع، لكنه لن ينسى من قدّم وطنه على نفسه، ولن يرحم من قدّم نفسه على وطنه.

وعندما ينتصر الغباء السياسي على المصلحة الوطنية… لا يُهزم فريق سياسي، ولا تنتصر جهة على أخرى؛ بل يكون الوطن كله هو الخاسر الأكبر، ويكون الشعب هو من يدفع الثمن جيلاً بعد جيل…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى