نظرة الوداع الأخيرة حملت في طياتها رسائل سياسية ورمزية

غزة لا تزال تقف في قلب العاصفة حيث تتزاحم المآسي فوق أرض أنهكها الحصار والحرب،
تعود الأونروا إلى واجهة الاستهداف، بينما تؤكد حركة حماس أن المساس بالوكالة ليس سوى امتداد لمحاولة تجريد الفلسطينيين من آخر مظلة إنسانية تحميهم. وفي مشهد يختصر وجع القطاع، ارتقى حارس المرمى الفلسطيني سليم الأشقر، تاركاً زوجته حاملة بطفلهما الأول، لتضيف الحرب حكاية جديدة إلى سجلها الثقيل. وفي الجهة المقابلة، تكشف أرقام وزارة الحرب الإسرائيلية عن أكثر من 26 ألف جندي أصيبوا منذ اندلاع الحرب، في اعتراف يعكس حجم الاستنزاف الذي يضرب المؤسسة العسكرية.
وفي لبنان، تتحرك الملفات السياسية على إيقاع مرحلة جديدة، مع إعلان تشكيل لجنة لبنانية سورية مشتركة لتعزيز التعاون بين البلدين، فيما تتقاطع المسارات الأمنية والسياسية وسط مشهد لا يزال يحمل كثيراً من الأسئلة أكثر مما يقدم من الإجابات.
أما في مضيق هرمز، فتزداد نبرة التحذير ارتفاعاً. طهران تؤكد أن أي سفينة تتجاوز المسارات المحددة أو تتجاهل بروتوكولات العبور ستواجه رداً فورياً، بينما انتهت جولة المحادثات غير المباشرة مع واشنطن في الدوحة من دون حسم ملف المضيق، لتبقى المياه الأكثر حساسية في العالم معلقة بين التفاوض واحتمالات التصعيد.
وفي الشرق الأوروبي، دوى انفجار هائل في كييف بعدما أعلنت موسكو استهداف مصنع ينتج أنظمة توجيه الصواريخ، لترتفع فوق المدينة سحابة ضخمة على شكل فطر، في مشهد أثار الانتباه رغم تأكيد عدم وجود أي تسرب إشعاعي. وبينما تتواصل الضربات، أعلنت أوكرانيا ارتفاع حصيلة ضحايا الهجوم إلى 18 قتيلاً و85 جريحاً، لتبقى الحرب هناك تكتب فصولها بالنار والركام.
حتى لا يعلو الضجيج..!
تبدأ الأزمات غالباً بصوتٍ منخفض لا يكاد يلتفت إليه أحد. كلمة تُقال في لحظة غضب، موقف يُفهم على غير مقصده، إشاعة تبحث عن آذانٍ متعبة، أو انفعال يجد من يغذيه. في تلك اللحظات، لا يكون الخطر قد وُلد بعد، لكنه يكون قد وجد أول طريق إليه.
ثم تتسارع الخطى. ترتفع الأصوات، ويعلو الضجيج، ويصبح كل طرف منشغلاً بإثبات أنه على حق، بينما تتراجع الأسئلة التي كان يجب أن تُطرح في البداية. لم يعد أحد يسأل: كيف نمنع الأزمة؟ بل أصبح السؤال: كيف ننتصر فيها؟
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية.
فالضجيج لا يمنح العقل فرصة ليرى المشهد كاملاً، بل يدفعه إلى النظر من زاوية واحدة. وكلما ارتفع الصراخ، ضاقت مساحة الحكمة، حتى يصبح الاندفاع بديلاً عن التفكير، ورد الفعل بديلاً عن قراءة العواقب.
وفي قلب كل أزمة، هناك من لا يكتب بياناً، ولا يحمل موقفاً، ولا يملك قراراً. هناك أطفال لا يعرفون لم
في غزة، لم تعد المأساة تقف عند حدود الحياة، بل امتدت حتى إلى الموت.
فمع استمرار العدوان، تواجه المدينة أزمة خانقة في المقابر بعد أن طال القصف المدافن، وقلّص المساحات، وأفقد القائمين عليها أبسط مقومات دفن الشهداء بكرامة. لم تعد الحجارة متوفرة لبناء القبور، ولا الأرض تكفي لاستقبال المزيد من الراحلين، بينما يتزايد عدد الشهداء يوماً بعد آخر.
المشهد الأكثر قسوة أن عائلات كثيرة باتت تضطر لدفن أحبائها فوق قبور سابقة، فيما يجتمع عشرات الشهداء في قبر واحد ضيق، ليس لأنهم اختاروا ذلك، بل لأن الحرب لم تترك لهم متسعاً حتى في مثواهم الأخير.
وبين ركام المقابر المدمرة، يمضي الآباء والأمهات يبحثون عن أثر لقبور أبنائهم بعدما اختفت الشواهد وامتزج التراب بالدم، في صورة تختصر حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها غزة.
إنها مأساة تتجاوز حدود الدمار إلى انتهاك أبسط الحقوق …
ليس كل ما يلامس مشاعرك يحمل الحقيقة
ليس كل ما يثير غضبك يستحق أن تقف معه، وليس كل ما يلامس مشاعرك يحمل الحقيقة.
توقف لحظة قبل أن تُكوّن موقفًا، فالعقول لا تُقاس بسرعة الانفعال، بل بدقة التمييز.
قد يمنحك الهدوء دقائق من الانتظار، لكنه قد ينقذك من سنوات من الندم.
فالوعي ليس أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف متى تُصدق، ومتى تتريث، ومتى تترك الحقيقة تأخذ وقتها قبل أن تحكم عليها.
ما دام الله معكم، فلا تخشوا طول الطريق
تأتي الجمعة هذه المرة، وكأنها راية بيضاء يرفعها الإيمان فوق ضجيج المدافع.. وكأنها رسالة من السماء تقول للقلوب المتعبة: ما دام الله معكم، فلا تخشوا طول الطريق..
جمعة مباركة على الذين يمشون بين العواصف ولا يفقدون بوصلتهم.. على الذين يعرفون أن الثبات ليس كلمة تُقال، بل موقف يُصنع حين ترتجف الأرض وتبقى القلوب مطمئنة بذكر الله..
سلام على العيون التي سهرت تحرس أوطانها.. وعلى الأرواح التي رفضت أن يكون الخوف قائدها.. وعلى الرجال الذين إذا اشتدت المحن ازدادوا يقينًا بأن الفجر لا يستأذن الليل، بل يولد من قلبه..
في هذا اليوم المبارك، اجعلوا دعاءكم سلاحًا، وصبركم درعًا، وإيمانكم رايةً لا تنكسها الأيام.. فما خاب قلبٌ تعلق بالله، ولا انهزم صاحب حقٍ جعل ثقته بخالقه أعظم من رهبته من الدنيا..
جمعتكم ثبات يسبق النصر، ورحمة تسبق الفرج، وعزة يحفظها الله لمن صدقت نياتهم واستقامت مواقفهم..
نظرة الوداع الأخيرة حمل في طياتها رسائل سياسية ورمزية
من طهران، لم يكن المشهد مجرد مراسم وداع، بل لوحة سياسية وإنسانية اتسعت حدودها لتلامس عشرات العواصم. آلاف الرايات ارتفعت، وملايين المشيعين تدفقوا إلى مُصلّى الإمام الخميني، فيما اصطفّت وفود رسمية وشعبية من نحو مئة دولة لتوديع القائد الأممي الشهيد السيد علي خامنئي، في مشهد حمل رسائل تتجاوز حدود الجغرافيا.
تقدمت الوفود شخصيات رسمية رفيعة من أرمينيا، وباكستان، وقطر، والصين، والعراق، وأوزبكستان، وكازاخستان، وأذربيجان، وطاجيكستان، إلى جانب وفود من روسيا، وأفغانستان، والهند، وبنغلادش، وتايلاند، وألمانيا، وجورجيا، وممثلين عن حركة طالبان والمعارضة الأفغانية، فضلاً عن حضور برلمانيين وعلماء دين وشخصيات سياسية وإعلامية من دول عدة.
كما شاركت وفود من حزب الله وحركة أمل، وعائلات القادة الشهداء، والفصائل الفلسطينية، والحشد الشعبي العراقي، وكتائب حزب الله، ووفود يمنية، وأعضاء أحزاب إقليم كردستان، وشيوخ عشائر، وعلماء من فلسطين ولبنان والعراق وروسيا، في مشهد بدا وكأنه إعلان وفاء لرجل ترك بصمته في معادلات المنطقة.
وفي الوقت الذي كانت فيه الجموع تلقي نظرة الوداع الأخيرة، تحولت طهران إلى محطة تلاقت فيها الوفود الرسمية والشعبية من مختلف القارات، لتؤكد أن رحيل السيد علي خامنئي لم يُقرأ بوصفه حدثاً إيرانياً فحسب، بل مناسبة استقطبت حضوراً دولياً واسعاً، حمل في طياته رسائل سياسية ورمزية ستظل موضع قراءة في المرحلة المقبلة.
