من القصف إلى العقوبات… هل تغيّر السلاح أم تغيّر شكل الحرب؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
ومرشّح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية
عندما كانت الطائرات تُدمّر الأبنية فوق رؤوس الناس، كان العالم يسمّي ذلك “حرباً”.
أمّا اليوم، حين تُخنق الدول بالعقوبات، وتُمنع الأموال، وتُهدَّد المصارف، ويُراد تجويع الشعوب سياسياً واقتصادياً، يُصبح الأمر فجأة “دبلوماسية” و”ضغطاً دولياً”.
لكن الحقيقة واحدة، الأسلوب تغيّر… أمّا الحرب نفسها فلم تتغيّر.
ما يجري اليوم في لبنان والمنطقة يوحي بوضوح أنّ المفاوضات لم تعد تُدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضاً بالعقوبات الأميركية، وبالحصار المالي، وبإدارة الخوف والانهيار الاقتصادي. وكأنّ الرسالة أصبحت واضحة:
إذا لم تُحقّق النار ما نريد، فستُحقّقه العقوبات.
في السنوات الماضية، شاهد اللبنانيون القصف والدمار والنزوح والاغتيالات والتهديدات. واليوم، يشاهدون نوعاً آخر من الحرب:
* حرب على الاقتصاد،
* حرب على المصارف،
* حرب على الليرة،
* حرب على الدولة،
* وحرب على القرار السياسي اللبناني.
الولايات المتحدة لا تُخفي استخدام العقوبات كسلاح سياسي.
فهي تُعاقب شخصيات، وتضغط على مؤسسات، وتلوّح بعزل أي جهة لا تسير ضمن المشروع المطلوب أميركياً. واللافت أنّ العقوبات لم تعد تستهدف فقط أفراداً مرتبطين بالمقاومة، بل باتت تقترب أكثر فأكثر من مفاصل الدولة اللبنانية نفسها، وكأنّ المطلوب إعادة تشكيل لبنان بالكامل وفق ميزان سياسي جديد.
وهنا تكمن الخطورة.
فالبلد الذي خرج من حربٍ مدمّرة، يُدفع اليوم إلى حربٍ أكثر قسوة، لأنّ الدمار يمكن إعادة بنائه، أمّا خنق الشعوب اقتصادياً ونفسياً فقد يُدمّر الأوطان من الداخل لعقود.
الأخطر من ذلك، أنّ بعض السياسيين في الداخل يتعاملون مع العقوبات وكأنّها “أداة إصلاح”، فيما هي في كثير من الأحيان أداة ابتزاز سياسي بامتياز.
فالعقوبات الأميركية لا تُفرض دائماً على أساس العدالة أو محاربة الفساد، بل وفق المصالح والتحالفات والاصطفافات الدولية.
والمفارقة الساخرة أنّ العالم الذي يتحدّث عن حقوق الإنسان، لا يجد مشكلة في تجويع شعبٍ كامل من أجل فرض شروط سياسية عليه.
وهنا يبرز السؤال الأخطر الذي يُقلق اللبنانيين اليوم:
هل هناك خوف حقيقي على الليرة اللبنانية مع تصاعد العقوبات الأميركية؟
الجواب بكل صراحة: نعم، لأنّ أي عقوبات جديدة لا تضرب فقط الأسماء المستهدفة، بل تُصيب الثقة بالاقتصاد اللبناني كلّه. فالليرة في لبنان لا تقوم فقط على الأرقام، بل على الثقة والاستقرار النفسي والسياسي أيضاً. وعندما يشعر الناس أنّ البلد يدخل مرحلة حصار مالي أو ضغط خارجي طويل، تبدأ المخاوف من:
* ارتفاع الدولار،
* هروب الرساميل،
* تشديد القيود المصرفية،
* وتراجع القدرة الشرائية أكثر فأكثر.
والأخطر أنّ اللبناني أصبح يعيش في حالة خوف دائم:
إذا اشتعلت الحرب خاف على منزله،
وإذا توقّفت الحرب خاف على لقمة عيشه وليرته ومدّخراته.
وكأنّ المواطن اللبناني بات محاصَراً بين نارَين:
نار القصف… ونار الانهيار المالي.
ولهذا، فإنّ العقوبات اليوم لا تُقرأ فقط كأداة سياسية، بل كرسالة ضغط اقتصادي ونفسي قد تنعكس مباشرة على حياة الناس اليومية، وعلى مستقبل الليرة والاستقرار الاجتماعي في لبنان.
فهل تغيّرت المفاوضات فعلاً؟
نعم… لكن فقط في الشكل.
أمس كانت الرسائل تُكتب بالنار.
واليوم تُكتب بالدولار والعقوبات والخوف والانهيار.
أمس كان الناس يهربون من القصف.
واليوم يهربون من الجوع.
وفي الحالتين، يبقى المواطن اللبناني هو الضحية الدائمة في لعبة الأمم.