على خليل : هل نحت اغبياء ولماذا ( 1 )

على خليل

الغباء ليس مرضًا عضويًا بقدر ما هو نمط من السلوك والتفكير، لذلك يرهق المحيطين بصاحبه أكثر مما يرهقه هو نفسه. هذه الفكرة تختصر طبيعة المشكلة: نحن لا نتعامل مع خلل جسدي بقدر ما نواجه خللًا في طريقة إدراك الإنسان للعالم وتعاطيه معه، ولهذا تختلف أسبابه وطرق علاجه، ولا تقتصر على الجانب الطبي.

تتشابك أسباب هذه الظاهرة بين ما هو فردي ونفسي، وما هو مجتمعي، وما هو سياسي. فعلى المستوى الفردي يظهر الجهل المكتسب نتيجة ضعف التعليم أو غياب الرغبة في المعرفة، ويتجلى الانغلاق العقلي في التمسك بأفكار خاطئة رغم وضوح الحقيقة، وهو ما يمكن اعتباره جوهر الغباء الحقيقي: الإصرار على الجهل. كما تلعب “الفقاعات المعرفية” دورًا مهمًا، حيث يعيش الإنسان داخل دائرة مغلقة لا يسمع فيها إلا صدى أفكاره، وهو ما تعززه وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك أيضًا عوامل بيئية أو ممتدة عبر الأجيال تجعل الجهل يتراكم ويعيد إنتاج نفسه.

أما على المستوى المجتمعي، فإن ضعف جودة التعليم، وانتشار الفقر، وسيطرة بعض العادات التي تعيق الانفتاح، كلها عوامل تغذي هذه الحالة. وتبقى “القدوة” عنصرًا حاسمًا؛ فإذا غاب النموذج الواعي في الأسرة والمدرسة، نشأ جيل لا يعرف كيف يفكر. وعلى المستوى السياسي، قد يتحول الجهل إلى أداة، حيث يُصنّع ويُعاد توزيعه لخدمة أهداف معينة، في ظل خطاب ثقافي أو ديني ضعيف أو موجه، ومع اضطرابات تفتح المجال لمزيد من التشوش والانفلات.

ينتشر هذا النمط من التفكير لأنه ببساطة “مريح”. فالبحث والتدقيق يحتاجان جهدًا، بينما التصديق السريع أسهل. ومع تدفق المعلومات المضللة عبر الإنترنت، وسيطرة منطق “الترند” على حساب الدقة، يصبح الإنسان أكثر عرضة للانجراف دون وعي. الأخطر أن هذا الانحدار يحدث بهدوء، فلا يشعر به المجتمع إلا بعد أن تتجذر آثاره.

ويمكن تبسيط الصورة من خلال معادلات توضح أثر الجهل: حين يجتمع الجهل مع الفقر ينتج الإجرام، ومع الثراء ينتج الفساد، ومع الحرية يولد الفوضى، ومع السلطة يتحول إلى استبداد، ومع الدين ينحرف إلى تطرف. وعلى النقيض، فإن اقتران العلم بهذه العوامل نفسها ينتج القناعة والإبداع والسعادة والعدل. لذلك تختلف المجتمعات في مستوى هذه الظاهرة بحسب استثمارها في التعليم، وقدرتها على ترسيخ التفكير النقدي، وتحقيق قدر من العدالة والحرية المسؤولة.

وامتد الخلل كذلك إلى طريقة تعاطي بعض المنابر الإعلامية مع ما يُسمّى بـ“ترندات” المجتمع المصري، حيث يندفع كثيرون خلف الضجيج بدل الفهم. الأخطر أن بعض الأصوات الإعلامية تتصور أن الصراخ أو التهديد يمكن أن يكون علاجًا لمشكلة معقدة، بينما تؤكد الخبرة العلمية في الاتصال أن الخطاب الانفعالي لا يُغيّر السلوك، بل قد يعمّق العناد أو يُنتج أثرًا عكسيًا. فالسلوكيات المجتمعية لا تُصحَّح بالاستعراض أو المزايدة، وإنما تحتاج إلى خطاب هادئ قائم على المعلومة، وتحليل الأسباب، وتقديم حلول عملية قابلة للتطبيق، مع احترام وعي الجمهور. الإعلام حين يتحول إلى منبر للانفعال يفقد دوره التنويري، ويصبح جزءًا من المشكلة بدلًا من أن يكون أداة في حلها.

في الحالة المصرية، تتداخل عدة عوامل؛ من الفقر والبطالة، إلى ضعف منظومة التعليم وانتشار الغش، إلى غياب القدوة، مرورًا بتداعيات الاضطرابات السياسية التي أثرت على البنية الاجتماعية. وقد حذر نجيب محفوظ مبكرًا من أن استمرار الجهل قد يحوّل المجتمع نفسه إلى “مشهد” يُشاهَد بدلًا من أن يكون نموذجًا يُحتذى.

وما قاله نجيب محفوظ لم يعد مجرد تحذير أدبي، بل صار واقعًا يُرى بالعين. أقطن بالقرب من منطقة الأهرامات، وأشاهد يوميًا أفواج السائحين وهم يتجولون في شوارع تعاني من قذارة لافتة، مشهد يصعب استيعابه في منطقة تُعد من أهم واجهات مصر الحضارية. ومع تكرار الزيارة، لم يعد الأمر مقتصرًا على محيط الأهرامات فقط، بل امتد حتى شارع الهرم بالكامل، حيث يخترقه السائحون من أوله إلى آخره، يمرّون على مشاهد متراكمة من المخلفات والقاذورات الملقاة خلف الأسوار الحديدية المحيطة بمشروعات المترو. هنا لا يصبح الجهل مجرد فكرة نظرية، بل يتحول إلى سلوك يومي يسيء لصورة بلد بأكمله، ويجعل ما حذر منه محفوظ حاضرًا بكل تفاصيله المؤلمة.

نتائج هذا “الغباء الاجتماعي” تمتد من الفرد إلى الدولة. فعلى مستوى الفرد يفقد الإنسان قدرته على اتخاذ قرارات حرة، ويصبح أكثر عرضة للخداع، وتضيع منه الفرص. وعلى مستوى المجتمع تتعطل التنمية، وينتشر العنف والفساد، وتتشوه القيم. أما على مستوى الدولة، فيصبح الرأي العام سهل التلاعب، وتزداد فرص عدم الاستقرار وإهدار الموارد.

العلاج لا يمكن أن يكون بقرار واحد أو من جهة واحدة، بل هو مسار متكامل يبدأ من الفرد. فالتعليم الحقيقي، القائم على الفهم لا الحفظ، هو الأساس. والتفكير النقدي ضرورة، لأنه ينقل الإنسان من موقع المتلقي إلى موقع الفاحص. كما أن كسر “الفقاعات” المعرفية، وتعدد مصادر المعرفة، واستعادة دور القدوة، ومواجهة ظاهرة الغش، كلها خطوات أساسية. وعلى المستوى الأوسع، يتطلب الأمر إصلاحًا تعليميًا حقيقيًا، ومحاربة الفقر، وإعلامًا مسؤولًا، وخطابًا ثقافيًا ودينيًا مستقلًا.

في النهاية، لا يمكن اختزال المشكلة في عامل واحد؛ فهي نتاج منظومة كاملة: تعليم ضعيف، وفقر، وإعلام مضلل، وسياسات قاصرة، إلى جانب كسل عقلي فردي. لذلك يبدأ الحل من قرار شخصي بسيط لكنه حاسم: أن يختار الإنسان أن يعرف، وأن يسأل، وأن يشك، وألا يمنح عقله إجازة مفتوحة. لأن المعرفة لم تعد رفاهية، بل أصبحت مسؤولية أخلاقية.

——–

المراجع

  • نجيب محفوظ
    • المرجع: أولاد حارتنا + مقالاته الصحفية
    • الفكرة: نقد البنية الاجتماعية، وتحذيرات مبكرة من تدهور الوعي والسلوك الجمعي.
    • يفيدك في الربط بين الجهل والسلوك المجتمعي وصورة مصر الحضارية.
  • جلال أمين
    • المرجع: ماذا حدث للمصريين؟
    • الفكرة: تحليل التحولات الاجتماعية والثقافية في مصر، وتأثيرها على القيم والسلوك.
    • من أهم الكتب التي تفسر “كيف تغيّر وعي المجتمع”.
  • أحمد خالد توفيق
    • المرجع: عقل بلا جسد + مقالاته (مثل: الآن أفهم)
    • الفكرة: نقد السلوكيات اليومية والسطحية الفكرية بأسلوب ساخر عميق.
    • مفيد جدًا في تناول “الغباء الاجتماعي” بشكل قريب من الجمهور.
  • مصطفى محمود
    • المرجع: رحلتي من الشك إلى الإيمان + مقالاته
    • الفكرة: أهمية التفكير، الشك المنهجي، والبحث عن الحقيقة.
    • يدعم فكرة أن الجهل ليس نقص معلومات بل غياب تفكير.
  • لويس عوض
    • المرجع: مقدمة في فقه اللغة العربية + مقالاته النقدية
    • الفكرة: العلاقة بين الثقافة، اللغة، والوعي المجتمعي.
    • مفيد في تحليل تأثير الثقافة والتعليم على تكوين العقل الجمعي.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى