
السيادة والمصير – بقلم / جعفر العلوجي
في الثامن والعشرين من شباط 2026 أعلنت ايران استشهاد مرشد الثورة الاسلامية السيد علي خامنئي اثر هجوم استهدف العاصمة طهران في تطور وصفته طهران بأنه حلقة جديدة في صراعها الطويل مع الولايات المتحدة وحلفائها ، لم يُقدم الحدث داخل ايران باعتباره مجرد خسارة شخصية أو انتقالا في السلطة وانما بوصفه نتيجة مباشرة لمسار سياسي اختار المواجهة ورفض الاملاءات الخارجية .
لقد بنيت التجربة الايرانية منذ قيام نظامها بعد الثورة على قاعدة مركزية مفادها أن القرار الوطني لا يساوم عليه ، هذا النهج كلف البلاد عقوبات اقتصادية قاسية وضغوطا سياسية وأمنية متواصلة ، لكنه في المقابل رسخ خطابا يقوم على أن السيادة لا تتحقق الا عندما تكون الدولة مستعدة لتحمل تبعات استقلالها ، ومن هذا المنظور فان استشهاد القائد يقرأ باعتباره امتدادا لصراع الارادات لا حادثا منفصلا عن سياقه السياسي .
في المقابل تبدو الحالة العراقية مختلفة في ظروفها وبنيتها فبعد عام 2003 دخل العراق مرحلة اعادة تأسيس تحت تأثير تدخل خارجي مباشر ما جعل عملية بناء الدولة مرتبطة بتوازنات مفروضة من الخارج ، بقدر ما هي ناتجة عن ارادة الداخل ورغم مرور أكثر من ثلاثة وعشرين عاما ، لا يزال الجدل قائما حول مدى امتلاك العراق لقراره السيادي الكامل في ظل هشاشة مؤسساتي وانقسام سياسي واعتماد اقتصادي وأمني يجعل هامش المناورة محدودا .
ان الفرق بين التجربتين لا يكمن فقط في الشعارات ، بل في طبيعة التأسيس وقوة الداخل ، فالدولة التي تبني مشروعها على رؤية موحدة وتتماسك مؤسساتها ، تكون أقدر على حماية قرارها حتى في مواجهة ضغوط كبرى أما حين تتنازع الارادات الداخلية ويتغلب منطق المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية فان القرار السيادي يصبح عرضة للتأثر والارتهان .
في نهاية المطاف لا تقاس قوة الدول بعدد حلفائها ولا بحجم بياناتها السياسية ، وانما بقدرتها على أن تقول “لا” حين يستدعي الأمر ذلك وأن تتحمل كلفة هذه الكلمة . استشهاد قائد في قلب معركة سياسية يعيد طرح السؤال الجوهري ، هل السيادة شعار يرفع أم مشروع يبنى ويدافع عنه ولو بالدم ؟
ان العراق كما غيره من الدول يقف أمام مفترق طريق واضح اما أن يتحول مفهوم السيادة الى برنامج اصلاح داخلي يعيد بناء المؤسسات ويوحد الارادة الوطنية واما أن يبقى القرار أسير توازنات الخارج فالقرار الحر لا يهدى من القوى الكبرى ، بل ينتزع بقوة الداخل ويصان بوحدة الموقف ويثبت بالفعل لا بالقول ، وبين الارادة والارتهان تتحدد هوية الدولة ومكانتها في التاريخ .