
د محمد كشك : ملحمة الشرطة المصرية… حين انتصرت الكرامة على أوامر الاحتلال
من معركة الشرطة في يناير … إلى سياسة خارجية تصنع توازن المنطقة
في لقاء مهم مع د. محمد كشك، الكاتب الصحفي والباحث في التاريخ السياسي، لا نستعيد مجرد واقعة تاريخية، بل نعيد فتح ملف الكرامة الوطنية المصرية، حين واجهت الشرطة المصرية أوامر الاحتلال البريطاني بالقبض عليها وتجريدها من سلاحها، فاختارت المواجهة لا الانكسار، والاستشهاد لا الإذلال.
في يناير 1952، وجّه الإنجليز إنذارًا صريحًا لرجال الشرطة في الإسماعيلية: سلّموا السلاح واخلوا المواقع.
لكن الرد المصري لم يكن بيانًا دبلوماسيًا، بل موقفًا وطنيًا حاسمًا. رفضت الشرطة المصرية الانصياع، ودخلت معركة غير متكافئة، لتسجل واحدة من أشرف الملاحم في تاريخ الدولة الحديثة، ملحمة لم تكن دفاعًا عن مبنى، بل عن سيادة وقرار وطني مستقل.
د. محمد كشك يوضح في اللقاء أن هذه اللحظة لم تكن معزولة عن السياق العام، بل جاءت ضمن صراع طويل بين مصر والهيمنة الأجنبية، صراع كانت فيه مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الشرطة والجيش، أدوات صلبة لحماية الإرادة الوطنية.
من الدم إلى السياسة
ما يلفت الانتباه أن هذه الروح، روح الرفض وعدم الخضوع، لم تتوقف عند حدود المعركة، بل امتدت لاحقًا إلى السياسة الخارجية المصرية، التي تشكّلت على أساس مبدأ واضح:
مصر لا تقبل الوصاية… ولا تتحرك إلا وفق مصالحها الوطنية.
من مقاومة الاحتلال، إلى دعم حركات التحرر الوطني في أفريقيا والعالم العربي، وصولًا إلى استعادة القرار المصري المستقل، ظل الخط الأحمر واحدًا: الكرامة أولًا.
واليوم، وبعد عقود، تعود هذه الفلسفة للظهور بوضوح في السياسة الخارجية المصرية المعاصرة، حيث تتحرك مصر كـدولة توازن لا كدولة تابعة.
لا تدخل في محاور عبثية، ولا تسمح بتصفية قضايا المنطقة على حساب أمنها القومي، سواء في:
-
القضية الفلسطينية – ليبيا – السودان – أمن البحر الأحمر – أو ملفات الطاقة وشرق المتوسط
إن مصر التي رفضت أوامر الاحتلال في يناير، هي نفسها مصر التي ترفض اليوم أن تكون مجرد ساحة نفوذ، أو تابعًا في لعبة الأمم.
الشرطة… والرسالة المستمرة
كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الشرطة والجيش، حين يؤكد أن تضحياتهما هي التي حمت الدولة من السقوط، لا يمكن فصلها عن هذه الملحمة التاريخية. فالدولة التي تعرف معنى التضحية، تعرف كيف تفاوض، وكيف تصمد، وكيف ترسم حدودها في الخارج بثبات في الداخل.
ومن هنا تبرز دعوة تستحق أن تتحول إلى مشروع وطني:
تحويل موقع معركة الشرطة في يناير 1952 إلى متحف وطني حيّ، لا يكتفي بسرد الحدث، بل يربط بين:
-
دماء رجال الشرطة
-
تشكل الدولة الوطنية
-
وصناعة القرار السياسي المستقل
متحف يشرح للأجيال الجديدة أن السياسة الخارجية القوية لا تُصنع في القاعات فقط، بل تبدأ من موقف شجاع، من رجل رفض أن يسلّم سلاحه، وقال “لا” حين كانت “لا” مكلفة.
لقد كانت ملحمة الشرطة في يناير ليست ذكرى احتفالية، بل أساس عقيدة دولة.
ومن لا يفهم كيف دافعت مصر عن كرامتها بالسلاح، لن يفهم كيف تدافع اليوم عن مصالحها بالدبلوماسية.
وفي سياق الحديث عن الدولة ومفهوم الكرامة، يبرز ملف الإفراج عن المقبوض عليهم بعفو كأحد المؤشرات المهمة على تطور إدارة الدولة لأزماتها الداخلية. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الردع، بل أيضًا بقدرتها على المراجعة وفتح مساحات أمل دون الإخلال بالأمن القومي أو هيبة القانون.
إن قرارات العفو والإفراج، حين تأتي في توقيت محسوب، تعكس فهمًا أعمق لمعنى الاستقرار الحقيقي، القائم على التوازن بين الحسم والاحتواء، وبين إنفاذ القانون وفتح المجال أمام من لم يتورطوا في دماء أو عنف للعودة إلى المجتمع والمشاركة في البناء.
وهنا، لا يمكن فصل هذه الخطوات عن صورة مصر في الخارج، ولا عن سياستها الخارجية التي تقوم على تقديم نموذج دولة مستقرة، قادرة على إدارة التباينات الداخلية بعقلانية، وبما يعزز من مصداقيتها السياسية ووزنها الإقليمي، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن قوة الدولة لا تتناقض مع سعة صدرها.