ليست جيشًا… بل مليشيات مافيا: جرائم النظام السوري الجديد وحلفائه بحق الأكراد

العمليات العسكرية التي تنفذها مليشيات ما يُسمّى بـ«الرئيس أحمد الشرع» لا يمكن توصيفها بأي حال من الأحوال على أنها أعمال جيش وطني نظامي. ما يجري على الأرض هو سلوك مليشياوي بحت، أقرب إلى عصابات المافيا منه إلى جيوش الدول، التي يُفترض أن تكون مسؤولة عن حماية المواطنين وصون أمنهم وحقوقهم.

إن الأحداث المؤلمة الأخيرة في مدينة حلب، وما رافقها من مواجهات دامية بين الأكراد وقوات النظام السوري الجديد، تمثل خطأً فادحًا وجريمة كبرى يتحمل مسؤوليتها المباشرة هذا النظام وداعموه. ونحن، كأفراد وكيانات ومنظمات ضمن فريق حقوق الإنسان الدولي، ندين بأشد العبارات هذا السلوك الهمجي، ونحمّل النظام التركي وحليفه في دمشق المسؤولية الكاملة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت وما زالت تُرتكب، وهي جرائم لن تسقط بالتقادم.
هذا التصعيد العسكري ضد الأكراد ليس الأول، ولن يكون الأخير، بل يأتي ضمن سلسلة من المغامرات الجنونية والسياسات العبثية التي ينتهجها النظامان التركي والسوري الجديد، في سياق واضح من التطهير العرقي الممنهج الذي بدأ تنفيذه بحق مكونات وأقليات سورية عدة. وما جرى في الساحل السوري، وضد الدروز والمسيحيين وغيرهم، ليس ببعيد عن الأذهان. إلا أن الأكراد اليوم يقفون في خط المواجهة الأول، وحدهم في الميدان.
ما يحدث لم يكن وليد الصدفة، بل هو أحد السيناريوهات المظلمة التي رُسمت في غرف السياسة المغلقة، بهدف دفع النظام السوري الجديد إلى خوض مواجهات عسكرية طائشة وخاسرة، خدمةً للأجندة التركية، وبإيعاز مباشر من أنقرة، التي تُعد المتحكم الأول بالملف السوري والحاكم الفعلي لسوريا من خلف الطاولة. أما السلطة السورية الجديدة، فهي ليست سوى أدوات تتحرك وفق التعليمات الصادرة من قلب العاصمة التركية.
تركيا، وبوضوح، لا تريد لأي قوة كردية أن تنمو أو تستقر، معتبرة ذلك خطرًا على أمنها القومي، وهي الذريعة التي طالما عزفت عليها لسنوات، مضللةً بها شعوب العالم وأنظمته. غير أن الأكراد، وفي إطار حقهم المشروع في الدفاع عن النفس والأرض والعِرض، وكونهم في مواجهة مباشرة مع التنظيمات الإرهابية، يملكون كامل الحق القانوني والإنساني في تعزيز قدراتهم العسكرية والمالية. ولن تستطيع تركيا، ولا غيرها، منع هذا الحق تحت أي مبرر.
وفي خضم التحولات والتحالفات الدولية، وجد الأكراد أنفسهم وحيدين في ساحة المواجهة، لا سيما بعد تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن دعمهم، رغم أنهم كانوا حلفاء أساسيين وشركاء فاعلين في الحرب على الإرهاب وتنظيم «داعش»، في وقت كان فيه هذا التنظيم يتمدد في سوريا، مستهدفًا كل مكونات الشعب السوري دون استثناء.
وعندما ارتكبت التنظيمات الإرهابية أبشع الجرائم بحق السوريين، وغضّت أطراف عربية ودولية، من المحيط إلى الخليج، ومن العواصم الغربية إلى الإقليمية، الطرف عن هذا الخطر الداهم، تصدّر الأكراد – رجالًا ونساءً – مشهد المواجهة، ودافعوا عن سوريا وشعبها، بل وعن العالم بأسره، نيابةً عن الأسرة العربية والمجتمع الدولي. وكان بالإمكان، آنذاك، دعمهم ماديًا وعسكريًا للقضاء على الإرهاب وتجنيب المنطقة والعالم مخاطره، لكن الخذلان كان سيد الموقف.
اليوم، يبدو أن الأسرة العربية والمجتمع الدولي يتماهَيان، أو على الأقل يلوذان بالصمت، إزاء السياسات العدوانية والانتقامية التي ينتهجها النظام التركي وحليفه السوري بحق الأكراد. وكان الأجدر بالنظام السوري أن يوجه جيشه وأجهزته لمقاتلة «داعش» وأخواتها، لا أن يوجّه سلاحه نحو الأكراد وبقية الأقليات السورية.
إن ما يقوم به النظامان التركي والسوري بحق الأكراد لا يمتّ بصلة إلى استعادة «شرعية الدولة السورية» كما يُروَّج، بل هو كذب مفضوح لا يقبله عقل ولا يصدقه أحد. الهدف الحقيقي هو إغراق سوريا أكثر في مستنقع جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، وفتح الأبواب مجددًا أمام عودة الإرهاب، بما يهدد أمن المنطقة والمصالح العربية والغربية على حد سواء.
قد نستيقظ غدًا على موجة جديدة من الإرهاب تجتاح المنطقة، أو تضرب المصالح الغربية والأوروبية في الشرق الأوسط أو في عمق العواصم الغربية. وحينها، قد يتحرك العالم… ولكن بعد فوات الأوان.
والأيام بيننا.
يبقى السؤال مطروحًا على طاولة النظام السوري:
هل يعتقد أحمد الشرع أنه سينجح في استمرار سياسة الإبادة والاضطهاد بحق الأكراد؟
ولماذا تلتزم الأسرة العربية، والمجتمع الدولي، ومنظمات الأمم المتحدة، الصمت إزاء جرائم التطهير العرقي في سوريا؟
وألا يدرك النظام التركي وحلفاؤه أنهم فتحوا على أنفسهم أبواب جحيم لن تُغلق؟
وهل بات سقوط هذه الأنظمة ومحاسبة رموزها أقرب مما يتصورون، في ظل المؤشرات المتسارعة؟
عضو فريق حقوق الإنسان الدولي
منظمة العفو الدولية – صحافي وحقوقي يمني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى