
ياسر السجان يكتب : حين تتحول الأخوّة إلى عداوة… يبدأ انهيار المجتمع من داخل البيوت!
في مجتمعاتنا المعاصرة، تطرأ تحولات مقلقة على منهج الحياة اليومية، تحولات لا تمس السلوك الفردي فحسب، بل تمتد آثارها إلى بنية العلاقات الإنسانية داخل الأسرة والمجتمع على حدّ سواء. ولعلّ من أخطر هذه التحولات تنامي ثقافة الصراع وتراجع قيم المحبة والتسامح، حتى بات الخلاف هو القاعدة، لا الاستثناء.
وتُعدّ الصراعات بين الإخوة والأخوات من أكثر صور هذا الخلل شيوعًا وإيلامًا، إذ تضرب في عمق النواة الأولى للمجتمع: الأسرة. تلك الصراعات، مهما بدت في ظاهرها بسيطة أو عابرة، تحمل في جوهرها بذور تفكك العلاقات، وتترك آثارًا ممتدة تهدد الاستقرار الأسري، ثم تنعكس لاحقًا على المجتمع بأسره.
كثيرًا ما تنشأ هذه الخلافات حول أمور تافهة لا تستحق الخصومة، غير أن خطورتها تكمن في غياب الوعي بعواقبها. فالتراكم الصامت للنزاعات، إذا لم يُحتوَ بالحكمة، يتحول مع الوقت إلى قطيعة، وتتحول رابطة الدم إلى ساحة صراع، لا مساحة مودة. ويزداد الأمر تعقيدًا حين تُخطئ بعض الأسر في إدارة الخلاف، فتُغذّيه – عن قصد أو غير قصد – بالمقارنة أو التحيز أو إشعال روح المنافسة السلبية بين الأبناء، دون إدراك لما يحمله ذلك من نتائج مدمّرة على المدى البعيد.
ولا تقف خطورة هذه الظاهرة عند حدود الأسرة، بل تتجاوزها إلى الفضاء المجتمعي الأوسع. فالطفل الذي ينشأ في بيئة مشحونة بالصراع وعدم المحبة، غالبًا ما يحمل هذه القيم المختلة معه إلى محيطه الخارجي، ليجد صعوبة في بناء علاقات صحية، أو في التعامل الإيجابي مع الآخر، مما يساهم في إعادة إنتاج الأزمة داخل المجتمع.
من هنا، تبرز مسؤولية الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للقيم، في غرس ثقافة المحبة، وتعزيز روح التعاون، وتعليم الأبناء فن الاختلاف دون خصومة، والحوار دون قطيعة. كما لا يقل دور المجتمع أهمية، عبر ترسيخ منظومة أخلاقية تُعلي من شأن التراحم، وتُعيد الاعتبار لقيم الأخوّة والتكافل والعمل المشترك.
وفي الختام، يظل الأمل معقودًا على وعيٍ جماعي يعيد ترتيب الأولويات، ويُدرك أن قوة المجتمعات لا تُقاس بحدة الصراع، بل بقدرتها على احتواء الاختلاف. وأن يكون الإخوة قدوة في المحبة والتماسك، ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة لبناء مجتمع متوازن، قادر على مواجهة تحدياته بروح واحدة لا بقلوب متناحرة.