
ياسر السجان : توفيق عكاشة.. إعلامي قرأ المستقبل قبل أن يتحول إلى واقع
عندما نتناول تجربة الإعلامي الدكتور توفيق عكاشة، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل ما يمتلكه من رؤية عميقة للمشهدين السياسي العربي والدولي. فالكثيرون يصفون ما يطرحه بأنه «تنبؤات»، بينما الحقيقة أنه نتاج قراءات دقيقة ودراسات موسعة، يقوم بها بعقل الباحث قبل أن يتحدث بلسان الإعلامي، سعيًا وراء الحقيقة والمعلومة لا الإثارة.
الرجل الذي يقرأ ما وراء الأحداث
من خلال عملي معه في قناة الفراعين، تشرفت بمعرفته عن قرب، وكنت شاهدًا على قدرته الاستثنائية في تفكيك المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لم يكن يتعامل مع الحدث كخبر عابر، بل كظاهرة ممتدة الجذور، يقرأ خلفياتها ويتتبع مساراتها المستقبلية. كان شغوفًا بالاطلاع، دائم البحث، ينظر إلى الأمور من زوايا غير تقليدية، وهو ما جعله يتجاوز دور المذيع إلى موقع المحلل والباحث السياسي.
لا يمكن إنكار أن عددًا كبيرًا من التحليلات التي قدمها قبل سنوات قوبلت بالتشكيك والسخرية، قبل أن تتحول إلى وقائع على الأرض. فقد تحدث مبكرًا عن تقسيم السودان، وتفكك اليمن، واندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، والتصعيد ضد إيران، وصولًا إلى الحديث عن التدخل الأمريكي في فنزويلا والسيطرة على ثرواتها النفطية. تحقق هذه السيناريوهات دفع كثيرين إلى إعادة النظر بجدية في ما يطرحه الرجل.
ولكن في ظل ما يشهده العالم العربي من اضطرابات وصراعات وتدخلات إقليمية ودولية، تبدو عودة توفيق عكاشة إلى الشاشة أمرًا بالغ الأهمية. فامتلاكه لرؤية تحليلية مختلفة، وقدرته على الربط بين الأحداث، يجعلان منه صوتًا قادرًا على تنوير الرأي العام وكشف أبعاد ما يُحاك للمنطقة خلف الكواليس.
إن الاستفادة من تحليلات وقراءات توفيق عكاشة للمشهدين العربي والدولي باتت ضرورة، لا ترفًا. فحديثه، حتى وإن اختلف معه البعض، يستند إلى معطيات ورؤية استراتيجية تستحق التوقف والتأمل، خاصة في زمن اختلطت فيه الحقائق بالشعارات.
ويبقى توفيق عكاشة شخصية إعلامية مثيرة للجدل، لكنها بلا شك تستحق التقدير والاحترام لدورها في تحريك المياه الراكدة وتنبيه الرأي العام إلى قضايا مصيرية. والرهان الأكبر اليوم أن يعود مجددًا إلى الشاشة، ليقدم قراءاته وتحليلاته بوضوح وجرأة، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى إعلام يسبق الحدث لا يلهث خلفه.