
تورية فرح جلول : إعادة بناء السرد التاريخي عبر الشباب :تحليل في خلفيات و أبعاد مشروع سفراء الذاكرة الجزائري
عندما تتشابك الحاجة إلى صيانة الذاكرة الوطنية مع متطلبات العصر الرقمي، يبرز مشروع شباب سفراء الذاكرة كواحد من أكثر المبادرات الجزائرية حداثةً وجرأة في مقاربة موضوع التاريخ. فبدل الاكتفاء برؤى تقليدية للتوثيق أو الاكتشاف العابر للمحطات التاريخية، يذهب المشروع نحو تأسيس جيل جديد من “الوسطاء المعرفيين”، القادرين على تحويل الذاكرة من مادة أرشيفية جامدة إلى محتوى تفاعلي حي، يُعاد إنتاجه ويُستهلك داخل الفضاءات الرقمية المحلية والدولية على حد سواء.
تُظهر الوثائق التنظيمية للمبادرة رؤية واضحة، تجعل الابتكار والشغف بالتاريخ الوطني شرطين أساسيين للانضمام، دون أن يطغى الخطاب الاحتفالي أو النبرة التمجيدية. بل إن التركيز موجّه نحو مؤهلات دقيقة: الإبداع في إنتاج المحتوى الرقمي، القدرة على الصياغة الاحترافية، امتلاك مهارات إعلامية واتصالية، والتمسك بالقيم الوطنية مع روح العمل الجماعي التطوعي. هذا المزج بين المهارة والقيمة، بين التقنية والذاكرة، يعكس انتقالًا مهمًا في طريقة تعامل المؤسسات الجزائرية مع الماضي—انتقال من “السردية الرسمية” إلى “السردية التشاركية”، حيث يصبح الشباب شركاء في إعادة بناء الذاكرة وليس مجرد متلقين لها.
ما يميز فلسفة المشروع أنه لا يكتفي باختيار سفراء يمثلون ولاياتهم فحسب، بل يمنحهم مساحات فعلية للتأثير الميداني: زيارات، ورشات توثيق، معارض، ندوات، إنتاج محتوى بصري وسمعي، وتنظيم فعاليات تتقاطع فيها الذاكرة مع المجتمع المحلي. هذا الاهتمام بالميدان يعيد إنتاج علاقة جديدة بين التاريخ والمواطن؛ علاقة لا تمر عبر الكتب المدرسية أو المناسبات الرمزية فقط، بل عبر تجربة حية يشارك فيها الشباب كمؤرخين صغار، أو إعلاميين، أو منتجين رقميين.
ويكتسب المشروع بعدًا إضافيًا من خلال اعتماده على التنسيق الأفقي بين المؤسسات: مديريات الثقافة، دور الشباب، المجاهدين، الإعلام… وهو نموذج لم يكن سائدًا في البرامج التقليدية. فالتاريخ هنا لا يُعامل كملكية قطاع واحد، بل كمجال تشاركي يستوجب تكامل مؤسساتي لضمان وصول المحتوى إلى أعلى جودة ممكنة. ويُضاف إلى ذلك تخصيص قنوات رسمية لتلقي التقارير، المقترحات، والمشاريع المحلية، وهو ما يمنح السفراء دورًا فاعلًا في تطوير البرنامج لا مجرد تنفيذ تعليماته.
على المستوى التحليلي، يعكس مشروع شباب سفراء الذاكرة إدراكًا عميقًا بأن معركة الذاكرة في القرن الحادي والعشرين لم تعُد تُخاض في الكتب والأفلام فقط، بل في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر السرديات بسرعة، وتتداخل الحقائق بالشائعات، ويصبح الصمت شكلًا من أشكال الخسارة الرمزية. لذلك، فإن تكوين شباب متخصصين في الإعلام الجديد، قادرين على إنتاج محتوى موثق وجذاب في الآن ذاته، يمثل خطوة استراتيجية نحو حماية الرواية الوطنية من التشويه أو التفريغ.
كما أن المبادرة تُظهر وعيًا بضرورة بناء ذاكرة وطنية متعددة الأصوات، تتجاوز الرواية المركزية الجامدة، وتفسح المجال لحكايات محلية، لشهادات شفوية، لتجارب أفراد ومناطق ربما لم تنل حقها في التوثيق التاريخي. إنها عودة إلى التاريخ من الأسفل، لا من الأعلى، وهو توجه يتماشى مع المدارس الحديثة في علوم الذاكرة والدراسات الثقافية.
ومن منظور مقارن، تقف الجزائر اليوم عبر هذا المشروع ضمن موجة دولية واسعة تسعى فيها شعوب عديدة إلى رقمنة ذاكرتها الوطنية: من كندا التي تعتمد على “حراس الذاكرة”، إلى رواندا التي أنشأت فرقًا شبابية لحماية سردية ما بعد الإبادة، مرورًا بتجارب أوروبية تعتمد على شبكات “المؤرخين الشباب”. غير أن الخصوصية الجزائرية تكمن في كون الذاكرة جزءًا حيًا من الهوية الاجتماعية والسياسية، وليست مادة متحفية منفصلة. ولهذا السبب تحديدًا، يكتسي تمكين الشباب منها أهمية مضاعفة.
إن مشروع شباب سفراء الذاكرة ليس مبادرة عابرة ولا نشاطًا مرتبطًا بمناسبة معينة، بل رهانًا استراتيجيًا على المستقبل. فالأمم التي ترغب في المضي بثقة نحو الغد، لا تفعل ذلك عبر محو الماضي، بل عبر إعادة امتلاكه، فهمه، وتحويله إلى طاقة إيجابية تُحسن علاقة الشباب بتاريخهم، وتمنحهم القدرة على تمثيله أمام العالم بجرأة ومهنية.
إنه مشروع يُعيد تعريف العلاقة بين الجيل الجديد والذاكرة الوطنية، ويمنح الشباب دورًا قياديًا في رواية الجزائر للجزائر… وفي روايتها للعالم.