
“حين تصبح العَونسة ظاهرة ابحث الجوانب النفسية والاجتماعية للمجتمع المصري”
العنوسة في مصر: تحليل شامل من كل الجوانب
الوضع الراهن: ما هي الأرقام؟
-
تُروّج في بعض وسائل الإعلام عبارة مفادها أن هناك «حوالي 12 مليون فتاة مقبلة على الزواج» أو «عوانس» في مصر. لكن عند التحقق، لا توجد لدى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) أو دراسات أكاديمية حديثة رقماً موثوقاً بهذا الحجم تحديداً للنساء غير المتزوجات. في تقرير لـ CAPMAS لعام 2006 مثلاً، ذُكر أن عدد النساء فوق 30 سنة غير المتزوجات كان نحو 317 000 فقط، أي ما يعادل حوالي 8.2٪ من إجمالي النساء في تلك الفئة العمرية.
-
من جهة أخرى، وسائل إعلام تشير إلى أن “13.5 مليون مصريين فوق سن الثلاثين غير متزوجين، منهم نحو 11 مليون امرأة” بناءً على تحليل اقتصادي واجتماعي غير رسمي.
-
إذًا: الظاهر أن الرقم “12 مليون فتاة مقبلة على الزواج” غير مدعوم بإحصائية رسمية ثابتة، وقد يكون مبالغاً فيه أو مأخوذاً من تحليل غير رسمي. لذلك، يجب التعامل مع الرقم بحذر.
الخلاصة: هناك ظاهرة تأخر أو عزوف عن الزواج أو تأخره لبعض النساء، لكن لا يمكن حتى الآن التأكيد على أن العدد يصل إلى “12 مليون فتاة” بحسب المصادر الرسمية المتاحة.
الأسباب من مختلف الجوانب
الجانب الاقتصادي
-
ارتفاع تكلفة الزواج (المهر، تجهيز المنزل، السكن، الأثاث، الزفاف) أصبح عبئاً ثقيلاً على الأسر والشباب، في ظل تراجع الدخل وارتفاع التضخم
-
البطالة أو العمل غير المستقر لدى الشباب تجعل تأمين “بداية حياة زوجية” أمراً صعباً.
-
انخفاض مشاركة المرأة في سوق العمل: نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة منخفضة جداً مما يقلّل من قدرتها على الاعتماد الاقتصادي الذاتي.
– الجانب الاجتماعي والثقافي
-
توقعات أسرية ومجتمعية لعوامل مثل “أن يكون الزوج لديه سكن”، “تكلفة العرس كبيرة”، “أن تكون الزوجة متفرّغة للأسرة” — كلها ضغوط تُؤخّر عقد الزواج.
-
الأعراف والتقاليد التي تضع شروطاً كثيرة على بناء الأسرة (من ذهاب الزوج إلى السكن، إلى العدة من التكريم الاجتماعي للزواج) تجعل الأمر أكثر تعقيداً.
-
تغيّر أولويات بعض الفتيات: بعضهن يركّز على التعليم أو العمل أو التأخير في اتخاذ قرار الزواج مما يؤدي إلى تأخر سن الزواج. 1
– الجانب الديموغرافي / التمديد السكاني
-
إذا ارتفع عدد السكان / الفتيات في الفئة العمرية المناسبة للزواج، مع تراجع أو تأخر في الزواج، يظهر عدد أكبر من غير المتزوجات حتى لو كان النسبة المئوية ليست عالية.
-
من ناحية أخرى، نسبة النساء اللواتي لم يتزوجن إطلاقاً تبقى منخفضة نسبياً في مصر: دراسة ذكرت أن حوالي 5٪ من النساء في فئة 35‑39 لم يتزوجن، وهذا شبه ثابت.
– الجانب العائلي والأسري
-
القوة الشرائية للأسرة والديها تلعب دوراً في القدرة على تجهيز البنت للزواج (وقتاً، مشتريات، تجهيز منزل).
-
في بعض الأسر، قد يُفضّل تأخر الزواج أو ترك الأمر “لحين الاستقرار المالي” أو “انتظار ظروف أفضل”.
-
أيضاً، في بعض الأماكن، تأخر أو عزوف الزوج عن الزواج قد يعود إلى وضع اجتماعي أو اقتصادي أو صحة—مما يؤثر على عدد العرسان المتاحين.
– المخاطر
-
تأخر الزواج أو العزوف الطويل قد يؤدي إلى شعور بعض النساء بالوحدة أو الضغط الاجتماعي أو الخوف من المستقبل، خصوصاً في المجتمعات التي تعطي أهمية كبيرة لبناء الأسرة.
-
قد يتسبب في تغيّرات في البنية الأسرية، مثل تأخر الإنجاب أو عزوف عنه، أو تغيّر في مستويات تدخّل الأسرة أو تأني في تكوين الأسرة.
-
من الناحية الاجتماعية، إذا لم يُدمج هؤلاء النساء في أدوار منتجة (تعليم، عمل، مشاركة اجتماعية) قد يزيد الشعور بعدم الاستقرار أو الاستبعاد الاجتماعي.
– الحلول
على مستوى الدولة والمجتمع
-
خفض تكلفة الزواج: إطلاق برامج حكومية أو بالتعاون مع القطاع الخاص لتسهيل النفقات المرتبطة بالزواج (سكن أول، قرض الزواج، تجهيزات بأسعار مدعّمة).
-
دعم التشغيل الاقتصادي للشباب والنساء: زيادة فرص العمل المستقر، وتحفيز مشاركة المرأة اقتصادياً لتمكينها مالياً ومساعدتها في التحوّل من “فرد معالة” إلى “فرد منتج”.
-
حملات توعية اجتماعية: توجيه المجتمع نحو “زواج أقل كلفة وبداية أسرية أكثر واقعية”، والتشجيع على تقليص التكاليف الفاخرة للزفاف والتجهيز.
-
برامج تأهيل وتدريب: تمكين الفتيات والنساء من المهارات التي تؤهلهن لسوق العمل أو المشاريع الصغيرة، ما يعطيهن قدرة أكبر على الاستقلال الاقتصادي.
-
إصلاح تشريعي واجتماعي: مراجعة شروط الزواج إن كانت تُثقل كاهل الشباب أو الفتيات، وتيسير العقارات أو الإسكان للشباب، وتوفير خيارات دعم سكني قابلة للتطبيق.
على مستوى الأسرة والمرأة
-
الأسرة يمكن أن تلعب دوراً في تخفيف التوقعات المجتمعية والتكاليف الزائدة، ودعم البنت في التعليم والعمل قبل الزواج.
-
الفتاة/الشابة: تعزيز فهمها بأن الزواج ليس نهاية الحياة، وأن الاستعداد الاقتصادي والنفسي أمر مهم، الاستفادة من التعليم والعمل لتمكين الذات.
-
التواصل المفتوح داخل الأسرة حول الموضوع، والابتعاد عن وصمة “التأخر في الزواج” أو الضغوط المجتمعية التي تُفاقم الأمر.
خاتمة
رغم أن الرقم “12 مليون فتاة مقبلة على الزواج” لا يزال غير مؤكد رسمياً، إلا أن هناك بلا شك ظاهرة تأخّر أو عزوف عن الزواج بين فئة من النساء في مصر، مدفوعة بعوامل متعددة: اقتصادية، اجتماعية، عائلية، وديموغرافية.
إذا لم تُستجب هذه الظاهرة بحلول شاملة، فقد تتحوّل إلى تحدٍّ أكبر للتماسك الأسري والمجتمعي. لكن بحلول مدروسة — قليلة التكلفة، وقابلة للتنفيذ — يمكن تحويل هذا التحدي إلى فرصة: فرصة لتمكين المرأة، إعادة توازن الأسرة، وتحقيق استقرار اجتماعي أكبر.