الهوية العربية لمصر لا تدار (بالمزاج السياسي) .. والمعركة لا تبدأ على الحدود، بل داخل الفصول الدراسية

 هيكل :  “الطفل هو أول مواطن في معركة الوعي”.

قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة:

“مصر جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وأمنها القومي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي العربي، ولن نتخلى عن دورنا ولا عن عمقنا العربي مهما تغيّرت الظروف.”
(خطاب الرئيس السيسي في القمة العربية – الرياض، 2023)
كما أكد سيادته في مناسبة أخرى:
“عندما نحمي حدودنا، فنحن نحمي أمن الأمة العربية كلها، ومصر ستظل دائمًا حائط الصد وركيزة الاستقرار في محيطها العربي.”
(خطاب القوات المسلحة المصرية – أبريل 2024)

بقلم: علي خليل – نائب رئيس تحرير “The Egyptian Gazette” سابقًا،
ورئيس تحرير “عرب تليجراف”

التعليم.. ميدان الهوية ومعركة الوعي

حين تُستهدف هوية الأمة، لا تبدأ المعركة على الحدود، بل داخل الفصول الدراسية. فالتعليم هو أخطر ميادين الصراع على الوعي، وهو الذي يقرر أي مصر سنكون بعد جيل أو اثنين.
وقد أدركت القوى التي تعمل على نزع العروبة من مصر أن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر الشعارات، بل عبر إعادة تشكيل الوجدان الجمعي في المدارس والجامعات، بحيث تنفصل الأجيال الجديدة عن عمقها العربي الطبيعي وتُعاد صياغة انتمائها في قوالب جغرافية ضيقة أو ثقافية دخيلة.

 هيكل :  “الطفل هو أول مواطن في معركة الوعي”.

إن الهوية لا تُحفظ في الدساتير فقط، بل في العقول الصغيرة التي تُشكل الغد.
ومن هنا تأتي أهمية أن يُبنى المنهج التعليمي المصري على وعي قومي عربي شامل، يربط بين التاريخ والثقافة والمصير المشترك، ويُظهر للطلاب أن العروبة ليست ترفًا أو عنوانًا سياسيًا، بل حقيقة وجودية تحدد موقع مصر من العالم ومصدر قوتها.

فمصر، كما قال المفكر الراحل جمال حمدان،( “هي قلب العروبة النابض، .. وموقعها الجغرافي قدرها الأبدي.”)  وقال ايضا إن “كل محاولة لتجريد مصر من بعدها العربي هي اغتيال لروحها قبل جسدها”، 
لهذا، فإن التعليم ليس مرفقًا خدميًا كما يُروَّج أحيانًا، بل هو أداة أمن قومي تسبق الجيوش في حماية هوية الأمة. وإذا تهاونّا في هذا الميدان، فإننا نفتح الباب لاحتلال جديد، لا يُرى بالعيون، بل يتسلل إلى العقول.

هذه الكلمات لم تكن مجرد عبارات دبلوماسية أو خطب مناسبات، بل هي تجسيد لرؤية الدولة المصرية لدورها التاريخي والجغرافي والوجداني في محيطها العربي.

ومع ذلك، بدأت في الآونة الأخيرة تظهر بعض الأصوات المنعزلة داخل المشهد الثقافي والإعلامي المصري، تنادي بما أسمته “تحييد الهوية” أو “فصل العروبة عن الدولة”، بل وصل الأمر إلى طرح فكرة تغيير اسم البلاد من “جمهورية مصر العربية” إلى مجرد “جمهورية مصر”، وهذا يعطى مجالا واسعا لمن بدعوى أن مصر “ليست عربية بل إفريقية الأصل”، وأن “الأفارقة هم أصحاب الأرض الحقيقيون”!!.
هذه الدعوات، وإن بدت في ظاهرها “فكرية أو تجديدية”، إلا أنها في جوهرها تمثل بداية مشروع ممنهج لنزع الهوية العربية عن مصر، تمهيدًا لإعادة صياغة انتمائها السياسي والثقافي، وتفكيك روابطها التاريخية مع الأمة التي شكّلت عمقها وسندها على مدى قرون.

إن مصر لم تكن يومًا دولة منعزلة، ولم يكن انتماؤها للعروبة خيارًا أو شعارًا، بل ضرورة وجودية وأمنية.
فكما يوضح المفكر المصري والصحفى القدير محمد حسنين هيكل، ان “الطفل هو أول مواطن في معركة الوعي”. “وإن أي محاولة لعزل مصر عن محيطها العربي هي في حقيقتها محاولة لعزلها عن نفسها.”
ويضيف: “إن مصر لا تستطيع أن تحيا بأمان دون ظهر عربي، كما أن العرب لا يستطيعون أن ينهضوا دون مصر.”

وهذا ما أكده الدستور المصري نفسه حين نص في ديباجته على أن “مصر جزء من الأمة العربية، تعمل على تحقيق وحدتها الشاملة”.
فالأمن القومي لا يُدار بمعزل عن هذه الحقيقة، لأن التحديات التي تواجه مصر – من الإرهاب إلى الأمن المائي مرورًا بالصراعات الإقليمية – كلها متشابكة عضويًا مع الأمن العربي العام.
ومن يتصور أن مصر يمكنها أن تنجو وحدها من مخاطر التفكك والصراعات الإقليمية دون دعم محيطها العربي، يتجاهل دروس التاريخ القريب، حين كانت القاهرة دائمًا المركز الذي يحتمي به الجميع، لا الذي يفرّ من هويته.


تفكيك الهوية يبدأ بتغيير المصطلحات

الخطر الحقيقي في هذه الدعوات ليس في “تغيير الاسم” فحسب، بل في ما وراء الاسم.
فكل محاولات نزع الهوية تبدأ عادة بخطوات صغيرة، رمزية، لكنها مقصودة: تغيير المصطلح، ثم تهميش الانتماء، ثم التشكيك في الجدوى، وأخيرًا الانفصال النفسي والوجداني.
وهذا السيناريو يتكرر اليوم في أكثر من بلد عربي، حيث تُستبدل القومية العربية بمفاهيم “الخصوصية المحلية” أو “الهوية الإقليمية الضيقة”، تمهيدًا لصياغة شرق أوسط جديد يقوم على التجزئة لا الوحدة، وعلى الهويات الفرعية لا الجامعة.

وقد حذّر المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة من مثل هذه النزعات قائلاً:

“حين تفقد الدولة وعيها القومي، تصبح عرضة لأن تُدار من الخارج، لأن الخارج هو من يعيد تعريفها حين تفرّط في تعريف نفسها.”


عروبة مصر ليست شعارًا بل مصلحة وطنية

من الناحية السياسية والاستراتيجية، فإن مصالح مصر الحيوية — من أمن البحر الأحمر إلى استقرار ليبيا والسودان، ومن دعم القضية الفلسطينية إلى ضمان أمن الطاقة في الخليج — مرتبطة عضوياً بالعالم العربي.
إن أي قطيعة أو فتور في هذا الارتباط ينعكس مباشرة على قوة الموقف المصري في المحافل الدولية.
فالعرب، كما أثبتت الأزمات الكبرى، هم الظهير السياسي والاقتصادي لمصر في لحظات الشدة، وهم الحائط الذي يصد محاولات عزلها أو محاصرتها دوليًا.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف سيكون رد الفعل العربي حين تتنصل مصر من عروبتها؟
إن ذلك لن يعني سوى فقدان القاهرة لعمقها وسندها، وتحولها من “قلب العالم العربي” إلى “دولة محايدة في محيط مضطرب”، وهو ما لا يتفق مع تاريخها ولا مع رسالتها ولا مع أمنها القومي.


مصر.. عربية كانت وستظل

لقد حاول الاستعمار قديمًا أن يعزل مصر عن عروبتها، تارة بالادعاء أنها “فرعونية خالصة”، وتارة أخرى بأنها “إفريقية الهوى”، وكلها كانت محاولات لتمزيق النسيج الذي وحّد العرب وجعل من القاهرة عاصمة الوعي القومي.
واليوم، حين تعود هذه الدعوات بأسماء جديدة وشعارات براقة، فإن الرد الواجب لا يكون بالجدل العقيم، بل بالتذكير بأن العروبة ليست قيدًا على مصر، بل هي جناحها الذي تطير به.

كما قال جمال عبد الناصر يومًا:

“إن مصر لا تستطيع أن تقود إلا إذا كانت عربية، ولا تستطيع أن تعيش إلا إذا ظلت عربية.”


خاتمة

إن الدعوة لتغيير اسم “جمهورية مصر العربية” ليست مجرد قضية لغوية أو رمزية، بل معركة وعي وهوية.
وإذا كانت بعض الأصوات تظن أنها تلغي فقط كلمة، فإنها في الحقيقة تفتح الباب لإلغاء تاريخ، وموقع، ودور، وذاكرة جماعية تشكلت عبر آلاف السنين.
إن الحفاظ على عروبة مصر ليس نكوصًا عن التحديث، بل ضمانة للاستمرار، لأن مصر التي تتخلى عن عروبتها تفقد سندها، ومصر التي تحافظ على انتمائها تبقى درع الأمة وضميرها.

مصر عربية شاء من شاء وأبى من أبى،
فهي ليست فقط في قلب الأمة، بل هي القلب ذاته الذي إن توقف، توقفت معه الحياة العربية كلها.

المراجع والمصادر المقترحة للمقال

  1. خطابات الرئيس عبد الفتاح السيسي

    • خطاب القمة العربية (الرياض، مارس 2023).

    • خطاب احتفال القوات المسلحة (أبريل 2024).

  2. جمال حمدان – “شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان”
    (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1980).

    المرجع الأهم في تحليل العلاقة بين الجغرافيا والهوية القومية المصرية والعربية.

  3. محمد حسنين هيكل – “العروش والجيوش” و“العرب والتحدي”
    (دار الشروق، القاهرة، 1992).

    يناقش فيها كيف أن فصل مصر عن محيطها العربي هو مشروع استعماري قديم متجدد.

  4. عزمي بشارة – “في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي”
    (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2012).

    تحليل فلسفي وسياسي حول فقدان الوعي القومي وأثره على استقلال القرار الوطني.

  5. خطابات الرئيس جمال عبد الناصر

    • مجموعة “فلسفة الثورة” و“الميثاق الوطني”، طبعات الهيئة العامة للاستعلامات.

    توثيق للفكرة المركزية أن مصر لا يمكن أن تعيش إلا بعروبتها.

  6. مراجع أجنبية داعمة

    • Raymond Hinnebusch, “The International Politics of the Middle East” (Manchester University Press, 2015)
      → يناقش تشابك الأمن المصري مع المنظومة العربية والإقليمية.

    • Anthony Nutting, “Nasser” (Dutton, New York, 1972)
      → سيرة تحليلية توثق دور مصر العربي التاريخي في مرحلة ما بعد الاستعمار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى