تحت القتل العمد والترصد ويتأخر العالم عن إنقاذ البشر .. غزة تنادى هل من مجيب ؟
غزة على حافة كارثة صحية شاملة، الوفيات بسبب الأمراض تفوق الوفيات بالرصاص
مجزرة جوع وصمت، تسحق بها الأجساد، وتُغتال فيها الطفولة أمام أعين العالم الاسلامى والعالم المتحضّر
إعداد: الإعلامية تورية فرح جلول
في الركن الجنوبي من الخارطة، حيث تحاصر الأسلاك والخراب أكثر من مليوني إنسان، تدور واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. ليست فقط حربًا بالمعنى التقليدي، بل مجزرة جوع وصمت، تسحق بها الأجساد، وتُغتال فيها الطفولة، أمام أعين العالم المتحضّر.
ما يحدث في غزة اليوم، يتجاوز حدود السياسة والعناوين النمطية، ليدخل حيز الإبادة البطيئة في ظل حصار محكم، وانهيار شامل لكل مقومات الحياة.
المشهد الإنساني: من الجوع إلى المجاعة
منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، أُغلقت كافة المعابر، وتوقفت الإمدادات الأساسية. وفي بداية 2025، بدأت مؤشرات الجوع تتصاعد، وصولاً إلى مستوى المجاعة الكاملة، بحسب تقارير دولية.
بحسب منظمة الأمم المتحدة، تجاوز عدد القتلى جراء الجوع فقط 70 شخصًا، بينهم عشرات الأطفال، في حين يُسجَّل أسبوعيًا وفيات جديدة في رفح وغزة والشمال.
تقارير المنظمات الحقوقية تشير إلى أن أكثر من 1.1 مليون شخص يعيشون على أقل من 300 سعرة حرارية يوميًا.
أطفال بعمر عامين وأربعة أعوام يموتون بين أذرع أمهاتهم، لا بسبب القنابل، بل لأن لا شيء يؤكل.
تقول أم محمد، وهي نازحة من حي الشجاعية:
“أُعطيهم الماء مع بعض الدقيق إن وُجد… ثم أجلس أعد أنفاسهم في الليل، أخاف أن يتوقف أحدهم عن التنفس.”
الاقتحام من أجل الخبز… “نقاط توزيع الموت”
في مشهد يثير الصدمة، قُتل خلال يوليو فقط أكثر من 1300 فلسطيني أثناء محاولتهم الوصول إلى شاحنات المساعدات.
في يوم واحد فقط، قُتل 91 شخصاً وجُرح أكثر من 600، حسب ما أعلنته الأمم المتحدة.
التقارير تشير إلى أن بعض نقاط التوزيع أصبحت تعرف محليًا باسم “مجازر الطحين”، إذ يُطلق فيها الرصاص على الجموع المتدافعة.الناشط الإنساني الدكتور سامي أبو نمر قال في تصريح خاص لنا من رفح:
> “لم نعد قادرين على تأمين ممرات آمنة للمساعدات، كل نقطة توزيع تتحول إلى فخ، والجنود يطلقون النار بذريعة الفوضى.”
زيارة أمريكية مشروطة… ومساعدات لا تكفي
زار مبعوث ترامب الخاص، ستيف ويتكوف، غزة برفقة مسؤولين إسرائيليين، لكن دون مرافقة من الأمم المتحدة أو الهلال الأحمر.
الزيارة وُصفت بأنها “استعراضية”، بينما تستمر المساعدات في الدخول بنسبة تقل عن 10% من الحاجة اليومية.
تتكدس الطوابير على بقايا الشاحنات، وتُلقى عبوات المياه من السماء بالمظلات، في مشهد لا يشبه القرن الحالي.
البنية التحتية: عندما يتوقف كل شيء
أكثر من 70% من شبكة المياه والصرف الصحي دُمِّرت، مما أدى إلى اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف، وانتشار أمراض مثل الكوليرا والتيفوئيد.
لا كهرباء في معظم القطاع منذ شهور، والمرضى يموتون في المستشفيات بسبب غياب الأوكسجين وأجهزة الإنعاش.
منظمة الصحة العالمية قالت:
> “غزة على حافة كارثة صحية شاملة، الوفيات بسبب الأمراض تفوق الآن الوفيات بالرصاص.”
الجانب السياسي: المفاوضات في نفق مغلق
بينما تتراكم الجثث، لا تزال المفاوضات تدور في حلقة مفرغة. إسرائيل تطالب بنزع سلاح غزة وإطلاق الرهائن، وحماس ترفض دون وقف إطلاق النار وفتح المعابر.
قطر ومصر ترعيان الوساطة، لكن دون تقدم حقيقي.
واشنطن تدفع باتجاه اتفاق شامل، لكن الجمود مستمر، في ظل خلافات حول ترتيب البنود.
غزة تنادي… فهل من مجيب؟
ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد كارثة إنسانية، بل وصمة أخلاقية. مدينة محاصرة، سكانها يموتون من الجوع، لا لشيء سوى أنهم وُلدوا في رقعة ملتهبة سياسياً، ومعاقبة جماعياً.
السكوت على ما يجري لم يعد حيادًا، بل تواطؤًا مقنَّعًا. والمسؤولية لم تعد تقع فقط على من يطلق النار، بل على كل من يرى ويسكت.