فاطمه صديق تكتب : من اين سنشرب غدا ؟ المياه فى مصر بين الواقع والحل

تعد المياه هى أصل ومنبت كل كائن حى من حيث النشأة كما ان استمرار توافرها شرط بقاء فى ذات الوقت للإحياء .أضف الى ذلك أن توافر المياه ضرورة لممارسة العديد من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية . ويكفى للتدليل على أهمية المياه ذكر ما ورد فى القرآن الكريم , قال تعالى ” وجعلنا من الماء كل شئ حى ” .

فاطمه صديق

ومع كل الاهتمام بمسألة المياه لم يتم وضع حل جذرى لمشكلة عدم التناسب بين عرضها والطلب عليها ومن هنا أصبح يوجد فى العالم مشكلة مائية تهدد بخلق صراعات و مصر من الدول التى تعانى من مشكلة حادة فى المياه وتزداد حدتها مع مرور الوقت بشكل كبير .
فى هذا المقال نسلط الضوء على اهم تحديات المياه فى مصر ونستعرض بعض الحلول المطروحة والتقنيات الحديثة التى يمكن أن تساهم فى تحسين إدارة الموارد المائية .

• اهم التحديات المائية فى مصر

تتعدد العوامل التى تعرقل تحقيق استدامة مائية حقيقية فى مصر أهمها :- أن المصدر الرئيسى للمياه العذبة – إن لم يكن الوحيد تقريبا – هو نهر النيل والذى تحصل مصر منه على حصة ثابته تبلغ حوالى 55.5 مليار متر مكعب من المياه وفق اتفاقية 1959 مع السودان وقت أن كان عدد السكان يزيد قليلا عن 29 مليون نسمة وظلت الحصة ثابتة والسكان يتزايدون حتى وصل الآن الى 119 مليون نسمة تقريبا .

– الزيادة السكانية الكبيرة والتى أدت الى انحدار شديد فى متوسط نصيب الفرد من المياه العذبة من 3600 متر مكعب فى 1927 الى 2500 متر مكعب فى 1947 الى اقل من 500 متر مكعب الآن وما زال السكان يتزايدون بمعدل نمو اعلى من المتوسط العالمى .

– المتحكم الفعلى فى امدادات مياه النيل يقع خارج الحدود مما يعرض تدفق المياه فى النهر تجاه مصر بعدم الانتظام هذا فضلا عن المنازعة حول حجم الحصة ذاتها من قبل اثيوبيا ، وايضا تعدد الدول المشاطئة لحوض نهر النيل يفتح باب للتدخلات السياسية وكذلك المطامع فى المياه .

– التغيرات المناخية وما تؤدى اليه من ارتفاع فى درجة الحرارة التى تؤدى الى ارتفاع معدل تبخر المياه فنجد أن نهر النيل الذى يتجاوز طوله 6650 كيلومتراً تقدر بعض الدراسات انه يفقد حوالى 10 مليارات متر مكعب من المياه بسبب البخر , وتشير بعض التقديرات والدراسات ان مصر ستفقد ما بين 10% الى 30% من كمية المياه فى عام 2060 ، وتشير احدى الدراسات الى ان ارتفاع درجة الحرارة 1% سيؤدى الى زيادة معدل البخر 4% وانخفاض تدفق النيل الأزرق ب 8% .
وارتفاع درجات الحرارة يؤدى ايضا الى تراكم الفطريات وتغير طبيعة المياه فى البحيرات والخزانات المائية , وكذلك ارتفاع درجات الحرارة يؤدى الى ذوبان الثلوج وانخفاض المخزون منه مما يهدد بالجفاف وكذلك حدوث فيضانات وتحطيم البنية الأساسية للبلاد .

– الاستمرار فى زراعة انماط محاصيل شرهة للمياه
– انعدام الرؤية المستقبلية الصحيحة للمياه ومن ثم التعامل معها على انها معطاه وعدم اعتبارها سلعة اقتصادية حتى الآن
– انحفاض مستوى الوعى بقضية المياه واهمالها فى المقرارات التعليمية .
– عدم اشراك المستفيدين فى ادارة المياه وتنفيذ الخطط المتعلقة بتوزيع المياه
– عدم اشراك القطاع الخاص فى توفير الخدمة المائية ، اى خصخصة بعض مراحل توفير المياه وهو ما يكون له مقابل وذلك للاستفادة مما لدي القطاع الخاص من امكانات وقدرات مالية وتكنولوجية .
– نقص او غياب البيانات الدقيقة واللازمة لاتخاذ القرارات السديدة فى التعامل مع المشكلة المائية .
– تعدد الوزارات والجهات ذات الصلة بالمياه وهذا قد يخلق حالة من التضارب فى القرارات ان لم يتم التنسيق بينها .
وفى مواجهة هذه التحديات سعت الدولة خلال السنوات الأخيرة الى تبنى مجموعة من الحلول التقليدية التى تهدف الى تقليل الفاقد وتحسين كفاءة استخدام الموارد المائية المتاحة ومنها :
– انشاء محطات معالجة مياه الصرف الصحى والصناعى لإعادة استخدامها فى الزراعة او الاستخدامات الصناعية غير المباشرة .
– التوسع فى محطات تحلية مياه البحر خاصة فى المناطق الساحلية .
– مشروعات تبطين الترع التى تهدف الى تقليل الفاقد الناتج عن التسرب والبخر فى شبكات الرى المكشوف .
– تشجيع التحول من الرى بالغمر الى أنظمة أكثر كفاءة مثل الرى بالتنقيط أو الرش لتقليل إهدار المياه .
– اطلاق بعض حملات التوعية لترسيخ ثقافة ترشيد استهلاك المياه .
ورغم أهمية هذه الجهود فإنها تظل فى حاجة الى تعزيز وتكامل مع حلول تكنولوجية وابتكارية أكثر تطورا لتجاوز الفجوة المائية المتزايدة ومن هذه الحلول :
– استخدام التكنولوجيا الحديثة والأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد واقامة نظام معلومات جغرافى .
– استخدام الذكاء الاصطناعى لتوقع الازمات واتخاذ قرارات استباقية .
– اعادة توزيع المحاصيل حسب الموارد .
– التركيز على زراعة محاصيل ذات قيمة اقتصادية عالية وتتحمل الملوحة والجفاف .
– تكثيف استخدام التكنولوجيا الموفرة للمياه فى الاستخدامات المنزلية .
– توظيف الطاقة الشمسية لتقليل تكلفة الطاقة المستخدمة فى التحلية .
– الاهتمام بالبحث العلمى والتطوير فيما يتعلق بالمياه من خلال المركز القومى لبحوث المياه .
– الاستثمار فى رأس المال البشرى من خلال تدريب وتمكين الكوادر الفنية والإدارية على استخدام التقنيات الحديثة وفهم بياناتها .
– تحفيز الابتكار المحلى ودعم مشاريع الشباب .
– رفع مستوى الوعى بقضية المياه من خلال ادراجها ضمن المقرارات التعليمية .
– بناء مؤسسات مرنة وقابلة للتكيف وتسعى للتحسين المستمر .
– التنسيق بين الوزارات والقطاعات ذات الصلة من خلال اللجنة العليا للنيل .
– التعاون الدولى والاقليمى وتبادل التجارب والخبرات اللازمة .
– السعى الحثيث لإنشاء نظام مؤسسى واقتصادى متشابك المصالح بين الدول المشاطئة لنهر النيل وتحسين العلاقات مع دول الحوض .
– تنمية الموارد المائية من خلال العمل على زيادة حصة مصر من مياه النيل واستكمال قناة جونقلى .
وفى النهاية ، يمكن القول أنه رغم التحديات التى تواجهها مصر فى قضية المياه ، فإن الأمل قائم إذا ما تم الجمع بين الجهود الحكومية والمبادرات المجتمعية والتقنيات الحديثة .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى