د. ليون سيوفي : لماذا لم يحتضن العالم قوى المقاومة؟

في زمنٍ تتسابق فيه الدّول على توقيع الاتفاقيات وبناء التحالفات، يبقى سؤالٌ جوهريٌّ معلّقاً في قلب النّزاعات المشتعلة من غزة إلى جنوب لبنان واليمن.

لماذا لم تحتضن الدّول الغربية والعربية وخاصّةً إسرائيل …الغزاويين، حزب الله، الحوثيين، وإيران؟ ولماذا لم تفتح أمامهم أبواب السّياسة والدّبلوماسية بدل الحرب؟

ألغرب لا يرى المقاومة شريكاً بل تهديداً وأميركا تحديداً تعتبر أنّ قوى كحزب الله، حماس، الحوثيين، وحتّى إيران، تتبنّى مشروعاً راديكالياً يتصادم مع رؤيته للعالم، ترفض إسرائيل، تقاوم الهيمنة الغربية، تؤمن بخطاب “الموت لأميركا وإسرائيل”، لا تتبنّى النموذج الديمقراطي الليبرالي الغربي.

لذلك، الغرب لا يسعى لاحتضانهم، بل لمحاصرتهم، ويفضّل إخضاعهم أو تحجيمهم، لا التفاوض معهم كأنداد.

إسرائيل لا تقبل شريكاً قوياً في المنطقة فهذا الكيان قائمٌ على تفوّقٍ عسكريٍّ وأمنيٍّ واستخباريٍّ مطلق في محيطه، وجود أطراف مسلّحة عقائدية كحماس أو حزب الله أو الحوثيين يهدّد هذه المعادلة،لذلك هي ترى فيهم تهديداً وجودياً، لا طرفاً يمكن التّفاهم معه وعليه، فإسرائيل تتبنى سياسة: “لا تفاوض مع من لا يعترف بي”، وهي تعلم أنّ هذه الأطراف تعتبر وجودها غير شرعيٍّ.

ولذلك إنّ الأنظمة العربية حائرةٌ بين الخوف من المقاومة والطّموح للتهدئة فبعض الدّول العربية خاصّةً الخليجية ترى في حزب الله وإيران والحوثيين أدوات نفوذٍ إيرانيٍّ توسّعيٍّ، وليسوا مقاومةً فقط، في نظرهم، احتضانهم يعني شرعنة مشروع “الهلال الشّيعي” أو الثّورة الإسلامية.

ومع ذلك، هناك رغبة عند بعض هذه الأنظمة بالتّقارب مع إيران كما حصل مع السّعودية مؤخّراً لضبط التّوتر، لا لاحتضان مشروع المقاومة.

فالمقاومة نفسها لا تبحث عن الاحتضان بل عن الصّمود.

قوى المقاومة في المنطقة من غزة إلى اليمن، ومن جنوب لبنان إلى العراق وإيران ليست في الأصل قوى سياسية “ناعمة”، بل وُلدت في المواجهة، وتتغذّى من الاشتباك والصّراع، خطابها لا يصبو للاحتواء، بل للانتصار، لذلك حتى عندما تُفتح بعض الأبواب الدّبلوماسية كما مع حصل بين إيران والسّعودية والإمارات ، فإنّ جوهر الصّراع يبقى حياً.

ألحرب أسهل من العدالة في هذه المعادلة للأسف، ألنّظام العالميّ اليوم لا يقوم على إنصاف الشّعوب بل على توازنات القوى.

إحتضان الغزاويين وحزب الله والحوثيين يعني اعترافاً بحقوقهم ومطالبهم من مقاومة الاحتلال، إلى حقّ تقرير المصير، وإعادة توزيع النّفوذ وهذا يتناقض مع مصالح القوى الكبرى.

لذلك تُختار الحرب، ولو خسر فيها الجميع، على أن يُعطى لأطرافٍ “متمرّدة” أو “غير منضبطة” سياسياً موطئ قدم.

لو احتضن العالم هؤلاء سياسياً، لتغيّر شكل الشّرق الأوسط لكن لا مكان للعدالة حين تُدير القوى الكبرى لعبة الدّم والنّار.

ألاحتضان يتطلّب عدالةً واعترافاً بحقوق الآخر، وهذا ما يرفضه من يملك القوة ويريد أن يحتكر القرار.

وهكذا يبقى الشّرق الأوسط ساحةً لاختبار القوة، لا لبناء السّلام وشعوبه ولدت لتدفع الثّمن …فالحرب أسهل من الاعتراف بهم.

ففي منطق الهيمنة، لا يُحتضَن من لا يخضع، ولا يُفاوض من لا يعترف بالمتفوّق سيّداً.

والنتيجة حربٌ خاسرةٌ للجميع. دمارٌ، نزوحٌ، دماءٌ، وشرق أوسط يُستنزف بدل أن يُبنى.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى