تيفلت : حقوقيون يناقشون إشكالية حرمان جمعيات المجتمع المدني من وصل الإيداع القانوني

مما لا شك فيه أن العمل الجمعوي بالمغرب يشكل ركيزة أساسية في بناء المجتمع المدني وتعزيز الديمقراطية، وحرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط فيها من الحقوق الدستورية المكفولة، حيث ينص الفصل التاسع من دستور المملكة المغربية على ضمان هذه الحريات، كما ينص الفصل 12 على تأسيس جمعيات المجتمع المدني وممارسة أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون، ولا يمكن حل الجمعيات أو توقيفها إلا بمقرر قضائي. وتؤكد المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 20) التي تكفل حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 22) التي تضمن حق كل فرد في تكوين الجمعيات مع آخرين، مع إمكانية فرض قيود ضيقة ومحددة فقط بموجب القانون ولأسباب تتعلق بالأمن القومي أو النظام العام أو حماية حقوق الآخرين.

استناداً إلى ما سبق، وبمناسبة نجاح الندوة الوطنية التي نظمها مركز عدالة لحقوق الإنسان بشراكة مع الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان والمركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان، حول إشكالية حرمان جمعيات المجتمع المدني المغربي من وصل الإيداع القانوني، انعقدت هذه الندوة يوم الخميس 08 ماي 2025، بالمقر المركزي لمركز عدالة لحقوق الإنسان، بحضور متميز ومتنوع.

ولا مناص من القول إن حضور أعضاء مكتب مركز عدالة، من بينهم الكاتب العام وأمين المال، إضافة إلى الأعضاء والعضوات الذين أغنوا النقاش بخبراتهم ومداخلاتهم، أضفى على اللقاء عمقاً وجديّة كبيرة. كما شارك في الندوة نساء وشباب وفاعلون حقوقيون وصحافيون مرموقون، مما جعل النقاش أكثر إثارة وحماسة، ورفع من مستوى الحوار إلى أفق أوسع من التفاعل والترافع.

وفي هذا السياق، شارك في الندوة عدد من المتدخلين الرئيسيين، من بينهم:

– إبراهيم الأشهب، عضو المكتب التنفيذي للرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان (MCDH)، جمعية حقوقية استشارية لدى الأمم المتحدة.

– حسن اليوسفي، رئيس مركز عدالة لحقوق الإنسان (CJDH)، منظمة غير حكومية مختصة في الدفاع عن حقوق الإنسان.

– إبراهيم الشعبي، رئيس المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان (CNMDH)، مؤسسة معنية بنشر الوعي الحقوقي والدفاع عن حرية التعبير.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الندوة شهدت نقاشات معمقة حول الإشكالات القانونية والإدارية التي تواجهها الجمعيات في الحصول على وصل الإيداع القانوني، وهو ما يعيق نشاطها ويحد من حرية التنظيم، رغم أن القانون المغربي يعتمد نظاماً تصريحيًا لتأسيس الجمعيات، حيث ينص الفصل الخامس من الظهير الشريف رقم 1.58.376 على وجوب تسليم وصل مختوم بعد تقديم التصريح، إلا أن التطبيق العملي يشهد تأخيرات ورفضاً غير مبرر في بعض الحالات.

ومن هذا المنطلق، تناول المشاركون الإطار القانوني المنظم للجمعيات، والصعوبات التي تواجهها في الحصول على وصل الإيداع، كما تطرقوا إلى المعاهدات الدولية ذات الصلة التي تكفل حرية تأسيس الجمعيات، مؤكدين على ضرورة احترام المقتضيات الدستورية والقانونية والالتزامات الدولية للمغرب.

ولتوضيح ذلك، استعرض الحاضرون تجارب جمعيات واجهت عراقيل في مساطر التسجيل، وتأثير ذلك على قدرتها في ممارسة أنشطتها، خاصة في مجالات الدفاع عن حقوق الإنسان والمال العام، حيث إن عدم الحصول على وصل الإيداع يحرم الجمعية من الاعتراف القانوني ويحد من قدرتها على التعاقد والحصول على التمويل.

وعلاوة على ذلك، أكد المشاركون على دور القضاء الإداري في حماية الحريات الجمعوية، حيث يجب أن يكون القضاء ركيزة أساسية في ضمان احترام القانون وتفعيل الحقوق، من خلال إنصاف الجمعيات التي تتعرض لرفض تعسفي من السلطات المحلية.

ولا غرو في أن التوصيات التي خرجت بها الندوة ركزت على ضرورة مراجعة وتبسيط المساطر الإدارية المتعلقة بتسليم وصولات الإيداع، وتعزيز دور القضاء في حماية الحريات الجمعوية، مع الدعوة إلى استمرار الحوار والترافع من أجل ضمان حق الجمعيات في التنظيم القانوني دون عراقيل.


وخلاصة القول، فإن الندوة قد حققت أهدافها في فتح نقاش جاد ومسؤول حول إحدى القضايا الأساسية للعمل الجمعوي بالمغرب، وأكدت الجهات المنظمة التزامها بمواصلة العمل والترافع من أجل تعزيز الحقوق والحريات الأساسية.

وهكذا يتبين أن العمل الجمعوي يحتاج إلى دعم قانوني وإجرائي مستمر لضمان حرية التنظيم والمشاركة المدنية، وانطلاقاً مما سلف، فإن تعزيز الحريات الجمعوية يتطلب تضافر الجهود بين مختلف الفاعلين والمؤسسات.


ولذلك ينبغي العمل على تفعيل التوصيات ومتابعة تنفيذها لضمان بيئة قانونية وإدارية ملائمة للعمل الجمعوي، وحرصاً على ذلك، فإن الحوار والترافع المستمرين يشكلان ركيزتين أساسيتين في هذا المسار.

التزام الجهات المنظمة بمواصلة العمل والترافع من أجل تعزيز الحقوق والحريات الأساسية يشكل بارقة أمل لمستقبل أفضل للعمل الجمعوي بالمغرب.
وفي واقع الأمر، فإن تعزيز الحريات الجمعوية ليس خياراً بل ضرورة دستورية واجتماعية تفرض نفسها على الجميع، ومن الجدير بالملاحظة أن هذا الموضوع يحظى باهتمام متزايد من قبل المجتمع المدني والجهات المعنية.

ولابد من الإشارة إلى أن نجاح مثل هذه الندوات يساهم في رفع مستوى الوعي وتطوير العمل الجمعوي، ولعل من المفيد أن نؤكد على أهمية استمرار هذه المبادرات وتوسيعها.

حبذا لو تتضافر الجهود الوطنية والدولية من أجل دعم العمل الجمعوي وتمكينه من أداء دوره الحيوي في التنمية والمشاركة المجتمعية.

وبناءً على ذلك، فإن التزام الجهات المنظمة بمواصلة العمل والترافع من أجل تعزيز الحقوق والحريات الأساسية يشكل بارقة أمل لمستقبل أفضل للعمل الجمعوي بالمغرب.

وفي ختام الندوة، تم التقاط صورة جماعية جمعت بين جميع المشاركين، تعبيراً عن الوحدة والتضامن في مواجهة التحديات التي تعيق العمل الجمعوي، وتأكيداً على العزم الجماعي لمواصلة النضال من أجل الحقوق والحريات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى