إستغاثة إلى فخامة رئيس جمهورية مصر العربية حول تراث مصر وآثــــارها بين التجديد والتبديد

بقلم : أ.د./ أيمن وزيري أستاذ الآثار بكلية الآثار- جامعة الفيوم ونائب رئيس إتحاد الأثريين المصريين

هناك علاقة وطيدة بين التراث كعطاء عقلي وجداني معنوي والآثار كعمل وعامل حضاري مادي مُتجسد في بنيات ومنشآت معمارية وغيرهما، ويُلاحظ أن أن التراث لا يؤخذ كله ولا يترك كله، بل يكمن فيه نقاط مضيئة ينبغي إعادة بعثها فضلاً عن النقاط مظلمة والهمجية والدموية التي أعاد إحياءها بعض المتطرفين من تُجار الدين ليطمسوا هويتنا الثقافية والتراثية والعربية والإسلامية ليشيعوا التناحر بيننا والمتطرفون يفتــون بتدميــر تراثنــا تقــربا إلي الله !!! ، كما أن متــــاحفنــا الفنيــــة تحظى بسمة العالميـــــة ولكنها مغلقـــة وأصبحت وليمــــة للقوارض وللفئــــران!!، وهناك العديد من المخالفــات التي تمثلت في أن لاس فيجاس – الأقصر المقلدة قد سرقت ملكية حقوقنـــا التراثية والثقافية الفكــــريــة!!، والآثــار تُنهب وكان بعض علمـائها الأجانب جواسيساً على مصر !!
ويُمكن القول أن آثار مصر وتراثها هما بمثابة الركن الأعظم في هويتها، ولذا حرصنا علي مناقشة قضية  “تراث مصر وآثارها بين التجديد والتبديد ” ضمن القضايا الوطنية والفكرية الكبري التي يناقشها صالون حزين عمر الثقافي بنقابة الصحفيين بمشاركة كبار رموز الوطنية المصرية .ومما ينبغي الالتفات إليه ــ كما يذكر عز الدين نجيب ــ أن متاحفنا الفنية التي تعد مفخرة حضارية عالمية ، ومنها متحف الفن الحديث (20 ألف قطعة) ومتحف الجزيرة ( 40 ألف قطعة ) ومتحف محمد محمود خليل وغيرها، ولكنها للأسف مغلقة منذ عام 2010 م ، وذلك بعد أن تصدينا لمحاولات بيعها !! وقد تحولت إلي وليمة للحشرات والفئران!!. وتوقف د.حجاجي إبراهيم عند مخالفات جسيمة وقعت في متحف الغردقة من خلال أحد المستثمرين ، وطالب الرقابة الإدارية بالتدخل.
وقد أشار د.أيمن وزيري إلى هذا النهب المنظم لحقوقنا الفكرية التراثية والأثرية والثقافية المتمثلة في إقامة معابد ومدن مصرية كاملة خارج مصر، كما هو الحال في ولاية لاس فيجاس الأمريكية التي يزور آثارها المصرية المقلدة سنوياً ما يزيد عن 37 مليون سائح ، بينما لا يزور الأصل : أي مدينة مدينة الأقصر الحقيقية سوي 6 ملايين ! وذكر د.أيمن وزيري أنه قدم مشروعاً للحفاظ علي حقوق الملكية الفكرية للآثار والتراث إلى مجلس الوزراء لدراسته . وتوقف د.محمد حمزة عند نشأة علم الآثار ابتداء من عام 1781م ، وقد خرج من عباءة الدراسات اليهودية التوراتية، ولذا فينبغي التعامل بحذر مع علوم الآثار ومع مؤسسيها، خاصة أن الكثيرين منهم عندما وفدوا إلي مصر كانوا جواسيس علينا ..ونحن نريد مدرسة مصرية أصيلة تكمل المشروع الثقافي لرفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وثروت عكاشة، مع قانون موحد لا تتوه فيه تبعية الآثار بين عدة جهات. وتوقف د.محمود نسيم عند حتمية إعادة تأويل تراثنا باستمرار كما فعل طه حسين وعلي عبد الرازق ..وقد أصبح هذا الأمر ملحاً منذ مجيء الحملة الفرنسية علي مصر والتي اصطحبت مع المدفع والمطبعة.
وتطرق د.محمود إبراهيم إلى أن مشاكل الآثار وأمراضها جزء من أمراض المجتمع ، وما عاناه من فوضي سياسية بعد 25 يناير إلي حد سرقة متحف ملوي بالكامل، وتعرضت معظم مخازن الآثار للسرقة ..ومن فعل هذا هو المجتمع !! وهناك فئة من الإرهابيين والمتطرفين الذين يبيحون نهب الآثار وتدميرها كنوع من التقرب إلى الله!! وهم لا يعرفون أن الاتجار بالآثار كالاتجار بالشرف ! ولذا ينبغي أن تدرس مادة الآثار من سن الحضانة لتأكيد هويتنا وزيادة الوعي بتراثنا واثارنا القومية.
وأكد د.ناجح عمر على أن الانتماء الوطني يبدأ بإدراك قيمة التراث والآثار، ولابد من وجود مناهج دراسية تؤكد على هذا المعني.. وتوقف د.عبد الرحمن عثمان عند توزيع تبعية المتاحف على عدة جهات مثل وزارة الآثار والتعليم والثقافة والزراعة، وعددها لا يقل عن 300 متحفاً، منها 55 متحفاً تابعة لوزارة الآثار. والباقي !!!! . وهناك ازدواجية في التعامل مع الآثار: فالناس يرون التجارة فيها حلالاً بينما يجرمها القانون. ولابد من التنبيه لخطورة هذا التحليل، وبالرغم من كثرة متاحفنا وممتلكاتنا الأثرية فإننا مازلنا نفتقد إلى قاعدة بيانات كاملة بمحتويات هذه المتاحف..أما د.جمال حسن فقد نظر إلي المردود الاقتصادي للآثار بصفتها جالبة للسياحة، فذكر أن السياحة الثقافية أقل جذباً من سياحة الشواطئ مثلاً، فهي تحظي بحوالي 10% فقط ، بينما الشواطئ 85%، ولم نوفر وسائل جذب مناسبة للسياح لكي يترددوا عليها أكثر من مرة ..مع ملاحظة أن الأهرامات مظلمة دائماً. أما رموز الصالون ومؤسسوه من كبار المفكرين مثل د.إبراهيم نصر الدين واللواء محمود منصور والمفكر سامي الزقم والمستشار د.علي أحمد علي والمفكر الإسلامي عبد الغني هندي فقد آثروا سماع رأي الضيوف ، ثم تفاعلوا معهم بتعليقات سريعة، حيث ذكر اللواء محمود منصور : الوطن ابتلي بمشايخ جهلاء يبيحون تخريب الآثار وبيعها، أما د.ابراهيم نصر الدين فقد أشار إلي التحريف التاريخي الذي تعاني منه مناهجنا وخاصة علاقة مصر بإفريقيا والتي يصورها البعض بأنها احتلت تلك الدول بينما كانت مصر نفسها محتلة!!، وأشار المفكر سامي الزقم إلي أن آثارنا تحتل صدارة متاحف العالم بينما نحن نسيئ إليها وندمرها ، وذكر المستشار د.علي أحمد علي أن تقليد الآثار ليس حديثاً بل بدأه ابرهة الاشرم حين أقام كعبة في اليمن !!، ونفي عبد الغني هندي فكرة وجود مؤسسات دينية لدينا بل هي مؤسسات علمية وبحثية كالأزهر الشريف .. وكانت تلك لمحات مُضيئة عن تراث مصر وآثارها بين مفاهيم التجديد والتبديد.

الرئيس عبد الفتاح السيسي

وقد أشار د.أيمن وزيري إلى بعض التوصيات والتي تقدم بها إلى فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد الفتاح السيسي من أجل إغاثة تراثنا القومي ومصدر مهم من مصادر الدخل القومي المصري ، ومن أهم تلك التوصيات ما يلي :

  1. تكاتف الدولة ومؤسساتها المعنية لمواجهة تلك الشائعات والإفتراءات المغلوطة والمشبوهة والمشوهة لمصر وحضارتها بكافة مستوياتها الثقافية والتراثية .
  2. تشكيل مجلس علماء أو حكماء خاص بكل وزارة من الوزارات للرد ولدحض تلك الشائعات والإفتراءات، وبالتطبيق على حالتنا وموضوعنا فلابد من تشكيل مجلس لنُخبة من المُتخصصين في مجال علم المصريات للرد على تلك الإفتراءات والتأويلات المشبوهة في حق مصر وحضارتها .
  3. توفير مراكز معلومات ومصادر موثوق فيها للحد من تلك الإفتراءات والمُغالطات في حق الحضارة المصرية القديمة وتراثها الثقافي وموروثها الفكري .
  4. ضرورة الإختيار الأمثل لمن يتحدث في برنامج أو يدلوا بدلوه في أي موضوع مُتعلق بعلوم الحضارة المصرية بكافة حقبها التاريخية وعلى كافة مستوياتها الفكرية والتخصصية .
  5. لابد أن تكون هناك ثقة مُتبادلة بين كافة فئات المجتمع المصري وبين المُمثلين لمصادر المعلومات الخاصة بعلوم الحضارة المصرية بكافة حقبها التاريخية والحضارية.
  6. لابد من توفير نوع من المصداقية والخبرة المرجعية في الرد على تلك الشائعات والإفتراءات .
  7. توافر مبادىء الثبات على المصداقية والخبرات المرجعية تدحض تلك الإفتراءات والمغالطات مما يؤدي لتزايد الثقة وزيادة الوعي الأثري والثقافي لدى فئات المجتمع المصري .
  8. الحد من مظاهر التعتيم المُتعارف عليها في مجتمعنا والحد من أن تكون المعلومات ومصادرها الموثوق فيها غير واضحة فلابد أن تكون كافة المعلومات متاحة وواضحة وموثوق فيها .
  9. تخصيص وتوفير خط ساخن تتوفر فيه كافة المعلومات الصحيحة للرد على تلك الشائعات والإفتراءات والتأويلات المشبوهة والمشوهة لمظاهر ومعالم الحضارة المصرية عبر العصور التاريخية .
  10. 10.  المصداقية والشفافية في عرض المعلومات والحد من مظاهر الغموض والإلتباسات التي تحدث بسبب عدم توضيح ودقة الأخبار والمعلومات المنقولة عبر كافة الوسائل الإعلامية .
  11. 11.  سرعة الرد على تلك الإفتراءات والشائعات والتأويلات المغلوطة بمصداقية ووضوح، فإذا كانت الردود واضحة وذات مصداقية ستزداد بالتبعية الثقة ومظاهر الوعي الثقافي والأثري بين كافة فئات المجتمع المصري ، فلن يدافع عن مصر وحضارتها سوى أبناءها وأجيال المستقبل.
  12. 12.  توفير متحدثين رسميين بالوزارات المصرية بصفةٍ عامةٍ وبوزارة الآثار بصفةٍ خاصةٍ للرد على الإستفسارات ولدحض مظاهر الفتن والشائعات والإفتراءات المغلوطة التي يرددها مُبتدعوها .
  13. مقاومة الشائعات ودحض الإفتراءات والعمل على منع إنتشارها بين فئات المجتمع والعمل بجهدٍ تامٍ للتأكد من مصادر المعلومات التي يتم تداولها وترويجها بواسطة مُصدريها ومُبتدعيها.
  14. 14.  توفير مصادر معلوماتية ذات مصداقية في كافة الوزارات ، وفي وزارة الآثار بصفةٍ خاصةٍ وأن يكون هناك مصدر رسمي وذو مصداقية وشفافية للمعلومات المتداولة، وأن يتم منع إستخدام العبارة المتواترة والدائرة تحت مُسمى ” مصادر خاصة ” والتي يتم إستخدامها بداعي وبدون داعي في بعض الوسائل الإعلامية وأن يكون هناك مصدر رسمي موثوق فيه تُستقى منه المعلومات الواضحة وذات المصداقية .
  15. 15.  لابد أن تتخذ الهيئات والمؤسسات الرسمية والمعنية دور السبق في الأفعال ، فلا تكون بمثابة رد الفعل بل لابد أن تتولى الفعل نفسه ودور السبق في تصدير المعلومات الصحيحة للحد ولدحض الشائعات والمغالطات والإفتراءات المشبوهة والمغلوطة، ولكن للأسف في المجتمع المصري غالباً ما تتخذ المؤسسات الحكومية دور ردود الأفعال للرد على تلك الشائعات وللأسف يكون هناك تأخير وتكون المغالطات والإفتراءات قد إنتشرت وتفاقمت واقعياً مما يؤدي لفقدان المصداقية وعدم انتشارها بشكل كامل بين فئات المجتمع وجموع الشعب .
  16. التحري والتأكد من مصداقية المعلومات المُتداولة والتحقق من مصادر المعلومات التي يتم تداولها ونشرها والتحقق من مدى الإثباتات والبراهين الخاصة بحقيقة المعلومات المغلوطة والتي يروجها مُبتدعوها ومصدروها بقصد طمس معالم ومظاهر الحضارة المصرية .
  17. يجب درء تلك الشائعات ودحض تلك الإفتراءات والتصدي لتلك المُغالطات المشبوهة في مهدها ومنذ نشأتها أو بالأحرى قبل نشأتها وظهورها وإنتشارها بواسطة كافة فئات المجتمع المصري وعلى كافة مستويات المؤسسات المعنية وأجهزة الدولة الرقابية لدحض الفتن والحفاظ على سلامة الأمن القومي المصري والمُحافظة على مظاهر ومعالم ومُعطيات الحضارة المصرية عبر حقبها وعصورها التاريخية ، ذلك الإرث الحضاري والتراثي الذي تسبب في هوس العالم أجمع بشواهده وظهرت بسببه ظاهرة الهوس بمجالات علم المصريات Egyptomania، فضلاً عن أن الحضارة المصرية القديمة هي الحضارة المُتفردة والرائدة في الحصول وحمل مشاعل علم يحمل إسم مصر وحضارتها العريقة وهو علم المصريات  Egyptology . وفي الختام أغيثوا تراثكم من الإندثار والتبديد ، دافعوا عن إرثكم ومورثكم الثقافي والحضاري، حافظوا على معالم حضارتكم من الشائعات والإفتراءات والمُغالطات التي تُفتت عضد مُعطيات الحضارة المصرية.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى