كيف دمر”المالكي ” العراق؟!

منذ وقت ليس ببعيد، بدا الاستقرار والأمن في العراق كاد ان يكون ممكنا ، و لكن سياسات رئيس الوزراء ” نور المالكي ” بدد أي أمل في تحقيق ذلك.. فعندما سقطت الموصل فى يد مليشيات دولة العراق الشام الإسلامية ( داعش ISIS) فى العاشر من يونيو كان معظم العراقيين مثل بقية العالم، فى صدمة مروعة .

و عندما سقطت مدينتان أخريان في وقت لاحق مع الحد الأدنى من المقاومة من قوات الأمن العراقية، كانت الاستجابة هى انتشار “الرعب” و ثارت تساؤلات ، حول كيفية سقوط هذه المدن في غضون بضعة أيام ، و هروب و هزيمة قوات الأمن التي دربتها الولايات المتحدة و التى يزيد عددها عن مليون فرد و تكلف تدريبها ما يقرب من 100 مليار دولار منذ عام 2006؟

مقدمة الاوضاع تؤدى لنتائج اليوم

و الحقيقة ، انه لا شيء يثير الدهشة حول التطورات في العراق في الوقت الراهن. ولم تكن أي من النتائج التى وصلنا لها الان ، هناك مفر منه. فقبل أربع سنوات، كان العراق قد وصل الى مستوى معقول نسبيا من الامن ، وميزانية الدولة سخية، والعلاقات كانت إيجابية بين الطوائف العرقية والدينية المختلفة في البلاد بعد سنوات من الفوضى في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003. و لكن النخب السياسية في العراق اهدرت هذه الفرصة ، و تسبب الفساد والجوع للسلطة فى ظهور الأزمات الناشئة – مثل صعود داعش ISIS – التى تسببت فى الوضع الراهن .

وبحلول عام 2008، كانت الميليشيات وفرق الموت التابعة لتنظيم القاعدة لم تعد تحتشد بالبلاد من سامراء إلى الموصل كما كان قبل عامين فقط ، وكان هناك اتفاق بين المسئولين ألامريكيين، وأجهزة أمن الدولة والقوات القبلية، وبعض الجماعات المسلحة للعمل معا ضد الجماعات الأكثر تطرفا و التى تروع سكان العراق .. واصطفت فى الطرق الرئيسية في تلك المناطق أعلام مجالس الصحوة، و قرر المقاتلون المحليون حماية المواطنين العراقيين العاديين من تنظيم القاعدة. وفي الوقت المناسب، تم نشر الجيش العراقي في جميع المدن الكبرى وأقامة نقاط تفتيش كل بضعة أميال.

وعلى الرغم من البطالة، والفساد، وعدم توفر الخدمات العامة و هى كانت لا تزال المشاكل الرئيسية فى البلاد ، الا ان العراقيين العاديين في المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم القاعدة تنفسوا الصعداء ، فقد اصبح يمكنهم العودة إلى العمل، واستئناف دراستهم، والاسترخاء في الهواء الطلق من دون سماع اطلاق النار في الخلفية ، و بدات الاسر تاخذ أطفالها إلى النهر، للسباحة والتنزه، و قام الشباب برحلات منتظمة إلى كركوك أو بغداد لشراء مايريدون .

و كان هناك أيضا في هذا الوقت إجماع على أن الجيش العراقي يتألف من الشرفاء والجنود الوطنيون الذين تعاملوا مع السكان المحليين باحترام و هو ما جعل العراقيين يشعرون بالعداء تجاه تنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات المتمردة ، و جعل الشعب يقف إلى جانب الدولة وجيشها.

العراقيون يطالبون الساسة باكثر من القدرة على البقاء احياء

لقد كان الجو في المدن الصغيرة مثل تكريت مناخا جديدا وكان مليئا بالوعود ، و بدأ العراقيون يطالبون ساستهم بما هو اكثر من مجرد القدرة على البقاء على قيد الحياة.. وشهدت البلاد تأسيس رئيس الوزراء نوري المالكي لتحالف سياسي جديد، وهو تحالف “دولة القانون” ، وجعل حملته الانتخابية تعتمد على برنامج يقوم على إعادة بناء مؤسسات دولة قوية، والحد من الفساد، وتوفير الخدمات الملائمة للشعب. كذلك تم تاسيس تحالف “العراقية” ، وهو ائتلاف واسع شكل حديثا ايضا ، وكان مدعومة من منصة مماثلة.

وبدا فى ذلك أن آفاق إنشاء بيئة سياسية جديدة واقامة دولة مستقرة قد اصبح في متناول اليد – و هو ما لم يحدث بالفعل – ، و لكن بدلا من توطيد هذه المكاسب و تعزيزها ، بدأت عدة عوامل تعمل ضد اللحمة الوطنية العراقية في أوائل عام 2010 ، حينما استخدمت حكومة المالكي قوانين “اجتثاث البعث” لاخراج أعضاء نظام صدام حسين من الحكومة، و بدا فى استهداف معارضيه – واستثناء العديد من الحلفاء التابعين له ، الذين كانوا أيضا أعضاء بارزين في حزب البعث.. و من هنا تحولت عملية تشكيل الحكومة عام 2010 بدلا من كونها فرصة أخرى لتوحيد السياسيين من جميع المشارب تحت علم الحكومة الموحدة الى حكومة يعمل اعضائها على منح أنفسهم المناصب العليا التي يمكن أن تستخدم لنهب الدولة.

وعندما خرج عشرات الآلاف من العراقيين الى الشوارع في فبراير 2011 احتجاجا على الفساد، تم وصفهم بالإرهابيين وتعرضوا للهجوم والضرب على أيدي قوات الأمن والبلطجية ، وقتل واعتقل وتعرض للتعذيب عشرات الآلاف حتى تلاشت الاحتجاجات.

المالكى .. و التحول الكبير

و على الرغم من ان الجماعات الإرهابية لم تكن تعمل بشكل علني كما كانت من قبل، تواصل قتل المئات من المدنيين كل شهر، وخصوصا في بغداد، و في ذلك الوقت، بدأ المالكي في الاشارة الى نفسه علنا كقائد عسكري بارز في العراق ، و عندما لم تتوافق نتائج الانتخابات مع توقعاته، طالب بإعادة فرز الأصوات “بصفته قائدا للقوات المسلحة.” و كذلك فعل عندما ازاح كبار مسؤولي مكافحة الفساد من مناصبهم.

وبعد تشكيل الحكومة الجديدة في نوفمبر 2010، رفض تعيين وزراء للداخلية والدفاع، مفضلا شغل هذه المناصب بنفسه. كما عين كبار القادة العسكريين مباشرة، بدلا من الحصول على موافقة البرلمان على النحو المطلوب في الدستور. و كان هناك أيضا الكثير من الحديث عن القوات الخاصة التابعة لرئيس الوزراء، بما في ذلك قيادة عمليات بغداد.

وبحجة محاولة وقف التفجيرات اليومية التى اشقت بغداد ، بدات عمليات القبض على مجموعات من الشبان في موجات اعتقال غالبا ما تمت في منتصف الليل، ويتم نقلهم إلى سجون سرية، وغالبا ما يختفون و لا يعرف عنهم اى شىء . ثم استهدف جميع ضباط الجيش السابق وأعضاء مجالس الصحوة، والناشطين الذين اشتكوا كثيرا عن الفساد، و كذلك العراقيين الملتزمين الذين كانوا يؤدون الصلاة في المساجد المحلية. ولم يتمتوجيه اى اتهام لهؤلاء و لم يتم عرضهم ابدا أمام القضاء.

بحلول عام 2012، كان المناخ فى البلاد قد اختلف و الراحة و الوطنية و المزج بين الشرطة و الجيش و تعاون المواطنين قد انتهى ، و بدا العراقيون يبحثون باستماتة عن أقاربهم المحتجزين، ولكن كان من المستحيل تقريبا الحصول على المعلومات ، و هو ما دمر علاقة الثقة مع الجيش ، ثم كان هناك فساد قطاع الأمن، والذى كان له ميزانية سنوية أكبر من ميزانيات التعليم والصحة، والبيئة مجتمعة، وكان يخضع لحد أدنى من المراقبة ، فكانت تدفع رواتب شهرية دون الإبلاغ عنها ، ويتم شراء معدات مبالغ فيها وغير مطابقة للمواصفات و المعايير ، فضلا عن تمويل دورات تدريبية على الورق لم تجرى قط على أرض الواقع. وتم تسييس التعيينات ، و اختيار المقربين لمكتب رئيس الوزراء ، ناهيك عن سلبية الجيش في مواجهة الهجمات المنتظمة ضد المسيحيين في نينوى .

وإزاء هذه الخلفية، فإن العديد من العصابات المسلحة التي روعت السكان المحليين فى الفترة من 2005-2007 وجدت ان هذه فرصتها في الظهور من جديد ، و ان كانوا لا يمكن أن يعملوا في وضح النهار، لكنهم فهموا أن قوات الأمن يمكن التلاعب بها، وحددوا الحلقة الأضعف في كل مؤسسة ، و تم السيطرة على معظم رجال الامن او من لديهم استعداد للمشاركة في أنشطة غير مشروعة ؛ وأولئك الذين يمكن أن يكون للترهيب والتهديد عاملا لتحيدهم بعيدا عن نشاطهم ؛ اما أولئك الذين كانوا أكثر احتمالا و واجهوا تلك العصابات فقد استهدفوا منازلهم، وروعوا أسرهم.

بحلول عام 2012، كانت الجماعات المسلحة مرة أخرى قد بدات فى تصعيد هجماتها المنظمة والمنسقة ضد المؤسسات الرئيسية في وضح النهار. ومع مرور الوقت، أصبحت هناك هجمات متكررة تستهدف الضباط يوميا في تكريت وحدها. وعلى الرغم من ظهور اتجاه واضح ومتنامى لهذه العمليات الا ان الحكومة لم تفعل شيئا للتصدي له و اصبحت المدن تعيش فى خطر شديد .

المالكي جزء من المشكلة والحل…

و منذ ذلك الوقت و البلاد تعيش فى رحى القتل و التفجيرات حتى استيلاء داعش على مدن الشمال و اتجاهه الى السيطرة على بغداد .. باختصار لقد سلمت المخابرات الامريكية حكم العراق للاسلام السياسي بشقيه الشيعي و السني املا منها بتحطيم العراق و شعبه مرة واحدة و الى الابد، و قد نجح نور المالكى في ذلك بامتياز، و ها هو العراق يتحول بعد عقد واحد فقط ، تحولت من دولة مستبدة فى عصر صدام حسين ، الى دولة مستبدة فاشلة من جميع النواحي.

المالكي نجح بشدة في كسب أعداء متنوعين في الأهداف والمشارب، فقطاع عريض من الشعب العراقي ساخط من سياساته، والعشائر السنية طفح بها الكيل، ولم تعد على استعداد لتحمل المزيد، والجماعات المتطرفة، أحسنت استغلال الوضع الأمني المتردي، وفساد قوات الأمن، في الصعود ثانية إلى مسرح الأحداث.

إن هذه المسألة المشابكة والمعقدة، تستوجب خطة سياسية لإنقاذ العراق، تعمل فيها القوى والطوائف السياسية، دون طائفية أو إقصاء، وإذا كانت الولايات المتحدة تعتبر أن المالكي جزء من المشكلة، فعليها أن تعتبره جزءً من الحل كذلك، خاصة أن هذا المشهد لم يعد يتحمل مزيداً من الأخطاء.

خالد مجد الدين4

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى