
د. فارس قائد الحداد يكتب : قراءة غاضبة في واقع حقوق الإنسان
في العاشر من ديسمبر من كل عام، يحتفل العالم بما يُسمّى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، لكن هذا اليوم لم يعد بالنسبة لملايين البشر سوى مناسبة رمزية جوفاء، تُرفع فيها الشعارات وتُلقى الخطب، بينما تُسحق حقوق الإنسان على الأرض تحت أقدام الأنظمة القمعية، والمليشيات المسلحة، والتنظيمات الإرهابية، وسط صمت دولي مخزٍ وتواطؤ سياسي فاضح.
لم يعد الحديث عن حقوق الإنسان ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية في زمن تصاعد فيه التوحش الإنساني إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تُمارس أبشع الجرائم من قتلٍ ممنهج، وتعذيبٍ وسجونٍ سرية، واغتصابٍ، واختطافٍ، واحتجازٍ خارج القانون، دون أدنى اعتبار للقيم الإنسانية أو للقانون الدولي الإنساني، الذي يُنتهك يوميًا أمام أعين العالم.
السؤال لم يعد: هل تُنتهك حقوق الإنسان؟
ما يحدث في السودان من جرائم قتل جماعي، واختفاء قسري، وسجون سرية، يُنفّذ على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي. وما تشهده ليبيا وسوريا واليمن وفلسطين من انتهاكات ممنهجة بحق الإنسان، وبخاصة المرأة والطفل، يكشف حجم الانهيار الأخلاقي والسياسي للنظام الدولي. أما الساحل الإفريقي والقارة الإفريقية عمومًا، فباتتا مسرحًا مفتوحًا لانتهاكات بلا حسيب ولا رقيب.
الأكثر فداحة أن الانتهاكات لا تقتصر على دول الحروب والفوضى، بل تمتد إلى دول تُصنّف زورًا ضمن “الدول المستقرة”، حيث تُنتهك حقوق النساء والفتيات والأطفال في الجزائر وتونس والمغرب، لا سيما في الريف المغربي، وفي موريتانيا، وإيران، ولبنان، والعراق، فضلًا عن باكستان وأفغانستان وتركيا، في ظل أنظمة عاجزة أو متواطئة، تُغطي القمع بالقانون، وتُشرعن الانتهاك تحت مسميات مختلفة.
ولا يمكن الحديث عن حقوق الإنسان دون فضح ظاهرة السجون السرية ومراكز الاحتجاز غير القانونية، التي تديرها مليشيات وكيانات وجماعات خارجة عن سلطة الدولة، خصوصًا في اليمن وغيرها، حيث تُمارس أبشع صور التعذيب والإخفاء القسري بعيدًا عن أي رقابة قضائية أو قانونية.
أما التنظيمات الإرهابية، من داعش والقاعدة إلى مختلف المليشيات المتطرفة، فقد حولت الجريمة إلى عقيدة، والقتل إلى وسيلة حكم، وارتكبت جرائم السحل والذبح والاغتصاب والتنكيل والتعذيب والاختطاف في اليمن والعراق وليبيا والصومال والساحل الإفريقي، في مشهد يعكس فشلًا ذريعًا للنظام الدولي في حماية الإنسان.
أمام هذا الواقع الدموي، يصبح الصمت الدولي شراكة في الجريمة، ويغدو التراخي في المحاسبة تواطؤًا سياسيًا وأخلاقيًا. ومع ذلك، فإن عمل منظمات حقوق الإنسان يظل خط الدفاع الأخير عن الضحايا، حيث لعبت منظمات دولية، وفي مقدمتها محكمة الجنايات الدولية، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمات العدالة وحقوق الإنسان، دورًا محوريًا في فضح الجرائم وملاحقة بعض الجناة، وقد نجحت في تقديم عدد من المتورطين إلى العدالة، خصوصًا في ليبيا والسودان ودارفور ودول الساحل الإفريقي.
لكن العدالة الانتقائية لا تكفي، وحقوق الإنسان لا تحتمل الكيل بمكيالين.
من هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق الحكومات والأنظمة السياسية، التي يجب أن تتوقف عن استخدام السيادة ذريعة لانتهاك حقوق مواطنيها، وأن تُخضع مرتكبي الجرائم للمحاسبة دون استثناء. فحقوق الإنسان خط أحمر، والانتهاكات جريمة لا تسقط بالتقادم، ولن يُعفى مرتكبوها مهما طال الزمن.
كما تقع المسؤولية على الشعوب وقوى المجتمع المدني في كسر جدار الخوف والصمت، وعلى المجتمع الدولي أن يُفعّل آليات الردع والعقاب الحقيقي، لا البيانات الإنشائية، ولا الإدانات الموسمية.
وفي هذا اليوم، لا نحتاج إلى احتفالات، بل إلى مواقف حاسمة، وإلى عدالة حقيقية، وإلى إرادة سياسية تُنهي زمن الإفلات من العقاب.
تحية لكل المدافعين الحقيقيين عن حقوق الإنسان، الذين يدفعون ثمن الكلمة والموقف،
وكل عام… والإنسان ما زال يقاوم.
عضو فريق حقوق الإنسان الدولي – منظمة العفو الدولية
صحافي وحقوقي يمني