الشاعر المصري فتحي عبدالسميع: لا يوجد مكان يمكن أن يقتل مبدعاً مجتهداً

قال الشاعر المصري فتحي عبدالسميع إنه حينما بدأ الكتابة كانت هناك قاعدة تاريخية راسخة: “الجنوب مقبرة المبدعين”، ويعترف: “وهي ما زالت موجودة للأسف، فعلى كل موهوب أن يرحل إلى القاهرة وإلا كان الدفن في التراب هو مصيره”.فتحي الذي يعد واحداً من الشعراء البارزين في مصر، والذي أجاد في كتابة قصيدة النثر وقبلها التفعيلة أكد أن تلك القاعدة موروثة ومستمرة من قرون بعيدة، فكل الأدباء والشعراء وعلماء الدين كانوا يتوجهون إلى القاهرة ليسطع نجمهم هناك، كما هو الحال في تجربة البهاء زهير، وابن دقيق العيد وغيرهما، ويعلق: “ترسخت تلك القاعدة لدينا من خلال تجربة أمل دنقل ويحيى الطاهر عبدالله، والأبنودي وغيرهم”.

الشاعر والناقد الذي فاز بحثه “الشعر والهوية: فلسطين وشعرية النُّعرة.. محمود درويش نموذجًا”، كواحد من أفضل ثلاثة أبحاث خلال العام الحالي، وهي الجائزة التي تمنحها الهيئة العامة لقصور الثقافة، ورغم رأيه السابق، إلا أنه قال: “الكتابة وطن الكاتب، ولا توجد علاقة مباشرة بين الجغرافيا وتفتح أو ذبول الكاتب”.

مشقة الكتابة
صاحب “خازنة الماء”، و”الخيط في يدي” أضاف: “نحن نبادر باقتناء الكتب الجيدة بغض النظر عن عنوان كاتبها، والكاتب الذي يتحقق في مكان لا يعني بالضرورة تحقق كل الكتاب الذين يقيمون في نفس المكان، لا يوجد مكان يمكن أن يقتل مبدعاً مجتهداً، متى تسلح ذلك المبدع بالوعي المناسب لممارسة الكتابة، المشكلة في الوعي ودرجة إمساكنا بتلابيب الكتابة، فبقدر ما نملك من وعي وجدية وصبر على مشقة الكتابة نملك فرصا للتحقق، والوعي لا يهبط هكذا من تلقاء نفسه، بل لا بد من مناخ مناسب لتفتح الوعي، ومشكلة المكان تكمن هنا، فهناك بيئة لا تمنحك الفرصة لتفتح وعيك ككاتب، لا يمكن أن نقارن قرية لا يوجد فيها كتاب جيد، أو نموذج لمثقف أو كاتب نقتدي به، بمدينة عامرة بالمكتبات والنماذج الثقافية التي لا بد من الاحتكاك بها حتى يتفتح الوعي خاصة في مرحلة البداية”.

فتحي يعترف بأن الوضع الآن يختلف طبعاً عن الوضع في نهاية الثمانينيات عندما بدأ، فهناك ثورة معلومات هائلة، لها عيوبها، لكنها تعتبر فتحاً قياساً بفترة لم يكن يعرف، بتعبيره، من سبل التواصل سوى الخطابات، ومن عالم الكتابة سوى الصحف الرسمية وبعض المجلات، وفي أفضل الأحوال روايات السباعي وعبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله وغيرهم.

مركزية متوحشة
ويقول: “ارتباط المبدعين في الجنوب بالموت، جاء من سلطة القاهرة ومركزيتها المتوحشة، فكل ما سواها هامش ويظهر ذلك بشكل حاد في كتب التاريخ، ولم يكن الذهاب إلى القاهرة يعني النجومية بالضرورة، ولكنه يعني النجاة من الموات والذبول بسبب بؤس الإمكانيات التي لا بد منها كي تزدهر كل موهبة بغض النظر عن فكرة النجومية، فالقاهرة كنز معرفي أيضاً، ومن المستحيل أن نتخيل إمكانية تفتح مبدع وتطوره في غياب الكتاب، وغياب الاحتكاك مع المثقفين، فالكتابة لا تنهض على الموهبة وحدها، الكتابة عمل واجتهاد دائم، والموهبة في تقديري هي امتلاك القدرة على محبة شقاء الكتابة”.

ويضيف: “كانت القاعدة تترسخ باستمرار، فمن اختاروا البقاء في قنا من جيل أمل دنقل ذبلوا إبداعياً، وكتابات أمل دنقل نفسه عندما كان يقيم في قنا كانت ضعيفة جداً، ولو استمر فيها لما تحقق إبداعياً على النحو المعروف، وكان أفضل نموذجين في الصعيد في جيل السبعينات هما سيد عبد العاطي وعطية حسن، وهما من حيث الموهبة والإمكانيات في مستوى أفضل شعراء الجيل كحلمي سالم مثلاً، وكان وجودهما في قنا دليلاً على فكرة الجنوب بوصفه مقبرة للمبدعين، فقد ذبلا مبكراً، وخرجا من السباق، وكان مصيرهما مؤلماً جداً بالنسبة لي”.

مكث فتحي سنوات طويلة وهو على قناعة بضرورة العيش في القاهرة، يكاد يحمل حقائبه، لكنه سرعان ما يتراجع ولم يمنعه من السفر سوى ظروف عائلية ترتبط برعايته لأمه وأبيه، فقد كان كبير البيت منذ صباه تقريباً، كما كان منزعجاً من الحياة في القاهرة.

سببان للانزعاج
صاحب “الموتى يقفزون من النافذة” يعلق: “لم يزعجني البقاء في قنا إلا لسببين، هما بؤس الإمكانيات المعرفية، وغياب الاحتكاك مع المثقفين، وكان إزعاجهما عظيما، فلم تكن هناك مكتبة في مدينتي، وكان الحصول على الكتاب الجيد يعني القاهرة، وقد ضيعت وقتاً طويلاً في قراءة كتب ضعيفة لمجرد أنها متاحة، لكنني قمت بحل مشكلتي بشكل نسبي من خلال التردد على القاهرة خاصة أيام معرض القاهرة للكتاب، وكان السفر مرهقاً جداً وطويلاً جداً، فقد كان هناك خط واحد للقطار، وكنا نتوقف أحياناً لأكثر من نصف ساعة في انتظار مرور القطار المقابل، كما كانت تكاليف الإقامة وشراء الكتب باهظة بالنسبة لي، وكنت أستعير بعض الكتب، وعندم كنت أرغب في اقتناء نسخة كنت أقوم بنسخها بخط يدي ثم أعيدها لأصحابها”.

وينهي قائلاً: “كلما كانت مساحة الوعي ترتفع عندي، كلما كنت أشعر أن البقاء في مكاني هو المنجم لا المقبرة.

ما زلت أشعر بشغف معرفي كبير، ما زلت أحلم بكتابة قصيدة أفضل من القصيدة التي كتبتها، وهذا هو المهم بالنسبة لي، ورغم الفساد الثقافي البشع الموجود في القاهرة الآن، ورغم اتساع فرصة التواجد في الحياة الثقافية للمقيم في القاهرة، إلا أنني أسعد بانكسار القاهرة كسلطة معرفية، كما أسعد بوجود أناس يعطونني حقي وأكثر من حقي، والعبرة ليست بالكم، والفساد الثقافي يضر الجميع، وكلما كان الكاتب جادا كلما كان نصيبه من الضرر أكبر بغض النظر عن عنوان منزله”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى