التاريخ الفكري الأوروبي.. من روسو إلى نيتشه

ويثبت هذا الكتاب، الصادر عن “يال يونيفرستي برس” في مارس 2015، وهو عبارة عن محاضرات تيرنر بعد جمعها، إلى أي مدى كان أولئك الطلاب حكماء في اختيارهم.
يتنقل تيرنر على نطاق واسع عبر هذه المروج الفكرية، وهو مرشد حكيم إلى عالم مهّد الطريق إلى عالمنا هذا، وتمتد محاضراته من روسو إلى نيتشه مروراً بداروين وماركس وغيرهم الكثيرون، ومعظم هذه المحاضرات يستحق عرضاً مستقلاً في حد ذاته.
كان القرن التاسع عشر القرن العظيم الذي ظهرت فيه النظريات والمذاهب على اختلافها، ونحن أنفسنا ما زلنا نعيش في أعقاب المشكلات التي تمخض عنها كثير من هذه النظريات والمذاهب، وهذا حق، مما يعد مبرراً آخر لإدراك أن المجادلات، بل والحروب، التي تركت وتترك أندابها وآثارها على وجه العالم، هي في حد ذاتها ليست جديدة بل بالأحرى صيغ محدّثة للمجادلات التي طرحت أثناء القرن التاسع عشر، فعندما يعلن روسو على سبيل المثال أنه “من يرفض طاعة الإرادة العامة، سيجبره على ذلك القوم بأكملهم، وهذا لا يعني إلا أنه سيُجبَر على أن يكون حرًّا”، يصعب أن يتحاشى المرء أن يخطر بباله أن هذا الطرح يتناسب مع روسيا في عهد فلاديمير بوتين.
عمل تجريبي
إذن فهذا كتاب حديث جداً، ويذكّرنا تيرنر بأن توكفيل “يحاول تقديم بيان عمل تجريبي ليبرهن على أن الديمقراطية والدين متوافقان”، ويحذرنا من أنه عند قراءة أعمال توكفيل، فإن “الألفة الزائدة تولد قلة الاحترام أو لا تولدها، لكن المؤكد أن الألفة الخادعة تولد البلبلة”.
ومن المهم أن نتذكر أن الرحلات التي قام بها توكفيل في أمريكا كانت تهدف إلى تزويده بالذخيرة اللازمة لمواجهة القوى الرجعية في فرنسا، لكن حتى حينئذ، كانت التوترات بين الحرية والمساواة واضحة جلية، وفي كلا المثالين، نجد أن الأصداء المعاصرة كثيرة بقدر ما هي واضحة جلية.
وربما يمكن قول الشيء نفسه عن اقتراحه، فيما يخص جون ستيوارت ميل والراديكاليين الفلاسفة الآخرين، “فالصراع الطبقي الأشد سفوراً في هؤلاء الكتاب، هو الصراع بين الطبقة الوسطى أو الطبقة الرأسمالية والطبقة الأرستقراطية”، التي يمكن أن نعتبرها في يومنا هذا تشكل واحداً في المائة، وسيأتي يوم تودّ فيه الطبقات الوسطى من جديد، أن “تتماهى مع فكرة أن الحكومة ينبغي أن تنتمي إلى الطبقات النشيطة المنتجة”.
الفكر القومي
وإذ يستعرض تيرنر نجاح الفكري القومي في عموم أوروبا في أثناء القرن التاسع عشر، يلاحظ أن “القومية تخرج إلى النور في أوروبا أثناء العقود ذاتها التي تشهد فيها الطبقات المثقفة موت الاعتقاد الديني والممارسة الدينية والالتزام الديني”، وهذا صحيح.
وهنا أسباب عديدة ساهمت في ازدهار الحس القومي الاسكتلندي في الآونة الأخيرة، غير أن تراجع كنيسة اسكتلندا، بل وحتى زوال أثرها، هو يقيناً أحدها، فمنذ وقت قريب في الستينيات، كانت الكنيسة في اسكتلندا قوة مهيمنة في المجتمع هناك، علاوة على ذلك، فإنها كانت تميز اسكتلندا من إنجلترا بوضوح، ويعود بعض الفضل في صعود الحس القومي الاسكتلندي إلى تراجع أهمية الكنيسة.
ففي غياب هذا الضامن للوعي الاسكتلندي المميز، صار عهد جديد من القومية ضرورياً، لأن اسكتلندا وإنجلترا، صارتا الآن أكثر تماثلاً من أي زمن مضى.
إنه عمل رائع، وهو يعتبر الهدية المثالية لأي طالب جامعي لديه حب استطلاع فكري، غير أن جاذبية الكتاب لا تقتصر على الشباب، بل تمتد إلى أي شخص يلتمس ما ينطوي عليه أي مقرر أوّلي في التاريخ الفكري الأوروبي من متعة وإثارة، إنه حقا كتاب ممتع ومثير.