النوبة في قلب المعركة: كيف هزمت لهجةٌ جيشَ شفرات العدو؟

في حروب الأمم، هناك أسلحة لا تُصَنَّع في المصانع، ولا تُشترى من ترسانات العالم، وإنما تُولد في قلب الهوية. في السادس من أكتوبر 1973، بينما كان العالم ينظر إلى دبابات تعبر، وطائرات تقصف، وخط بارليف ينهار، كان هناك سلاح آخر يعبر مع الجنود، غير مرئي، لا يصدر دخانًا ولا هديرًا: كلمة نوبية.

بعد نكسة 1967، كانت معركة الاتصالات هي المعركة الأخطر. إسرائيل تملك أحدث أجهزة التنصت وتحليل الشفرات، وكل رسالة لاسلكية مصرية كانت مهددة بالكشف. احتاجت القيادة إلى سرية مطلقة، لا يمكن للعدو أن يفكها، حتى لو اعترضها.

وهنا، من قلب الصحراء، من بين صفوف حرس الحدود، جاء الحل الذي لم يكن في كتب الأكاديميات العسكرية.

البطل: الصول أحمد إدريس

ابن قرية توماس وعافية بأسوان، المتطوع بالقوات المسلحة عام 1954، الذي شهد العدوان الثلاثي، وحرب اليمن، ونكسة 1967.

يحكي إدريس أنه في عام 1971، سمع الرئيس أنور السادات يتحدث بقلق عن ضرورة إيجاد شفرة جديدة لا يفكها العدو. فتقدم ببساطة جندي يعرف قيمة ما يملك وقال ضاحكًا لقائده: “نرطن بالنوبي”.

الفكرة كانت عبقرية في بساطتها: استخدام اللغة النوبية – التي تنطق ولا تكتب، ولا توجد في أي قاموس أو معجم في العالم – كشفرة حرب. لغة يتحدث بها عدد محدود جدًا من أبناء النوبة في مصر والسودان، بعيدة تمامًا عن دوائر الاستخبارات الإسرائيلية.

عرضت الفكرة على الرئيس السادات، فأدرك خطورتها وقيمتها فورًا. ويروي إدريس أن السادات قال له: «استخدام اللغة النوبية ده سر لو طلع هحاكمك». وتم القبض عليه شكليًا ونقله إلى قيادة الجيش ليشرف بنفسه على التنفيذ، حفاظًا على السرية المطلقة.

التنفيذ: من تراث قرية إلى منظومة جيش

لم يكن الأمر ارتجالًا. تم إعداد نحو 344 جنديًا وضابطًا من أبناء قبيلتي الفاديكا والكنوز النوبيتين، وتم توزيعهم على مراكز الإشارة وغرف العمليات.

سُميت المحطات في الصحراء بأسماء نوبية، وتواجد هؤلاء الأبطال مع رئيس العمليات وقادة الكتائب والفصائل. وُضعت مصطلحات عسكرية نوبية بسيطة وحاسمة، تحولت إلى مفاتيح النصر:

“أوشريا” تعني اضرب
“ساع آوي” تعني الساعة الثانية

وفي ساعة الصفر، عبرت الكلمات قبل أن تعبر الدبابات. ترددت عبر اللاسلكي أوامر مثل “ساؤردنجي فاجني” أي اعبروا، فلم يفهم العدو شيئًا، بينما فهمها الجندي المصري في خندقه تمامًا.

لقد كانت اللغة النوبية حاجزًا طبيعيًا منيعًا أمام التنصت الإسرائيلي. سلاح صامت، لكنه فعال، أمّن عنصر المفاجأة الأهم في الحرب.

الدرس الأكبر من الشفرة

إن قصة الشفرة النوبية تقول لنا إن الأمن القومي ليس عدد دبابات فقط، بل هو قدرة أمة على تحويل تنوعها الثقافي إلى قوة.

النوبة التي ارتبطت بحضارة مصر منذ فجر التاريخ، والتي حافظت على لغتها آلاف السنين رغم كل التغيرات، قدمت في أكتوبر أعز ما تملك: هويتها. فتحول التراث من ميراث محلي إلى درع وطني.

ظل البطل أحمد إدريس ملتزمًا بالصمت لعقود، حتى كُشف السر في ندوة تثقيفية للقوات المسلحة، قبل أن يرحل في 21 سبتمبر 2021 عن 84 عامًا، ويمنحه الرئيس عبد الفتاح السيسي وسام النجمة العسكرية تقديرًا لخدمات جليلة للوطن.

هكذا انتصرنا. لم تعبر قواتنا قناة السويس وحدها، بل عبرت معها كلمات أجدادنا من على ضفاف النيل في الجنوب. كلمات أثبتت أن مصر حين تقاتل، تقاتل بكل أبنائها، بكل لغاتها، بكل تاريخها. وأن كلمة صادقة من قلب نوبي، قد تكون أقوى من شفرة أعقد أجهزة المخابرات في العالم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى