أكتوبر.. حكاية وطن لا يُهزم

بقلم: حنان السجان

عندما أتحدث عن أكتوبر، فأنا لا أتحدث عن حرب انتهت صفحاتها بانتهاء المعارك، وإنما أتحدث عن حكاية وطن رفض أن ينكسر، وشعب آمن بأن الأرض والكرامة لا تُستردان إلا بالإرادة والعمل والتضحية.

أتحدث عن أم مصرية زغردت وهي تودع ابنها إلى الجبهة، رغم أنها كانت تدرك أن طريقه قد يكون بلا عودة. وأتحدث عن جندي حمل سلاحه، وحمل في قلبه إيمانه بوطنه، وخرج إلى المعركة وهو يردد «الله أكبر»؛ تلك الصيحة التي ارتبطت في الذاكرة المصرية بلحظة العبور، وبإرادة الجنود الذين واجهوا خط بارليف وتحصيناته.

53 عامًا مرت على نصر أكتوبر، وما زالت حكايات الآباء والأجداد عن تلك الأيام حاضرة في الذاكرة. كان أبي يقول لنا إن مصر في تلك اللحظة كانت على قلب رجل واحد؛ لم يكن هناك مجال للفوارق بين مسلم ومسيحي، أو بين غني وفقير، فقد جمع الجميع حلم واحد: أن تعود الأرض، وأن تستعيد مصر كرامتها.

وفي لحظة العبور، لم يكن الجندي يفكر في نفسه وحدها، وإنما كان يفكر في أرضه التي احتلت، وفي وطنه الذي ينتظر منه أن يؤدي واجبه. كان يعرف أن الطريق صعب، لكنه كان يؤمن بأن المستحيل يمكن أن يصبح ممكنًا عندما تتوافر الإرادة.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات أكتوبر: الجندي المصري عندما يواجه عقبة لا يسأل إن كان عبورها ممكنًا، وإنما يبحث عن الطريقة التي تمكنه من عبورها. فإذا كان أمامه ساتر ترابي شاهق، بحث عن وسيلة لاختراقه، وإذا واجه خطًا دفاعيًا شديد التحصين، تعامل معه باعتباره تحديًا يمكن التغلب عليه. لم تكن المسألة سلاحًا فقط، وإنما كانت إرادة وإيمانًا بالوطن وثقة في القدرة على الإنجاز.

ولم يكن نصر أكتوبر نصرًا للجنود وحدهم، بل كان نصرًا لمجتمع كامل، وفي القلب منه المرأة المصرية. كانت الأم تنتظر ابنها، والزوجة تنتظر زوجها، والأخت تنتظر أخاها، وفي الوقت نفسه كانت المرأة تعمل في الحقل والمصنع والمستشفى، وتشارك في تحمل أعباء الوطن خلال سنوات الحرب.

كانت مصر كلها تخوض المعركة بطريقتها؛ الجندي على الجبهة، والعامل في المصنع، والفلاح في الحقل، والطبيب في المستشفى، والأم داخل بيتها وهي تربي أبناءها على الصبر والانتماء.

وبعد أكثر من نصف قرن، تبقى روح أكتوبر حاضرة في أجيال جديدة من المصريين. فهناك الأم التي تربي أبناءها على المسؤولية وحب الوطن، والمعلمة التي تغرس في طلابها معنى الانتماء، والطبيبة والمهندسة والعاملة التي تشارك في بناء المجتمع إلى جانب الرجل.

لقد علمنا أكتوبر أن الأوطان لا تحيا بالذكريات وحدها، وإنما بما تحوله الأجيال من دروس الماضي إلى عمل في الحاضر ورؤية للمستقبل.

واليوم تواجه مصر تحديات من نوع آخر؛ تحديات البناء والتنمية والوعي وحماية الدولة ومقدراتها. وإذا كان جيل أكتوبر قد خاض معركة استعادة الأرض، فإن الأجيال الحالية تخوض معركة بناء الإنسان، وتطوير الاقتصاد، وتحسين التعليم، وترسيخ الوعي، وحماية مقدرات الوطن.

وتبقى سيناء شاهدًا على أن الأرض التي استُعيدت بالتضحيات لا بد أن تُصان بالتنمية والعمران. فكل طريق جديد، وكل مدينة، وكل مشروع إنتاجي، وكل مصنع يقام على أرضها، يمثل امتدادًا لمعنى التحرير، ويؤكد أن الحفاظ على الأرض لا يكون بالسلاح وحده، وإنما أيضًا بالتعمير والعمل والاستثمار في الإنسان.

أكتوبر ليس مجرد تاريخ في كتاب، ولا مناسبة نحتفل بها مرة كل عام. إنه درس في الإرادة، وفي وحدة المجتمع، وفي قدرة الإنسان المصري على مواجهة أصعب التحديات عندما يؤمن بأن وطنه يستحق التضحية والعمل.

تحية إلى شهداء أكتوبر الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لتحرير الأرض، وإلى كل أم شهيد ما زالت تحمل ذكراه بفخر، وإلى كل جندي وضابط شارك في ملحمة العبور، وإلى كل مصري أسهم، من موقعه، في صمود الوطن خلال سنوات الحرب.

وتبقى مصر، بتاريخها وشعبها وجيشها، أمام مسؤولية الحفاظ على ما تحقق، وتحويل روح أكتوبر من ذكرى إلى منهج في العمل والبناء.

حفظ الله مصر وشعبها، ورحم شهداءها، وحفظ كل من حمل أمانة الدفاع عنها، لتظل ذكرى أكتوبر شاهدًا على أن الوطن يستطيع أن يتجاوز أصعب المحن عندما تتقدم الإرادة على الخوف، والعمل على اليأس.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى