لبنان الذي تغيّر… قبل أن يتغيّر نظامه

بقلم: د. ليون سيوفي

في لبنان، لم تعد الأزمة خبرًا عابرًا ننتظره كي ينتهي، بل أصبحت واقعًا يتسلّل إلى تفاصيل حياتنا، ويعيد تشكيلها بصمت. لم يعد السؤال الأهم: متى تنتهي الأزمة؟ بل: كم تغيّرنا نحن تحت وطأتها؟

فخلال السنوات الماضية، لم ترتفع أسعار السلع والكهرباء والمحروقات والرسوم فقط، بل تبدّلت طريقة تفكير اللبنانيين، وأحلامهم، وعلاقاتهم، وحتى نظرتهم إلى المستقبل.

أصبح المواطن يحسب يومه قبل أن يحسب شهره.

وصار راتبه يُقاس بما يستطيع شراءه، لا بما يساويه.

وأصبح السفر بالنسبة إلى البعض مشروع نجاة، والهجرة بالنسبة إلى آخرين خطة دائمة، فيما تحوّل البقاء في لبنان عند كثيرين إلى معركة يومية.

الأخطر أن الاعتياد بدأ يأكل الصدمة.

نسمع عن ارتفاع جديد، فنقول: «ماذا نفعل؟».

ترتفع فاتورة الكهرباء، فنبحث عن طريقة لدفعها.

يزداد سعر المحروقات، فنخفّف استعمال السيارة.

ترتفع الرسوم، فنؤجل المعاملة.

يتراجع الدخل، فنخفض حاجاتنا.

وهكذا يتحول الانهيار، خطوة بعد خطوة، من حدث استثنائي إلى أسلوب حياة.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

الدولة لا تُقاس فقط بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على جعل المواطن يشعر أن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.

أما حين يفقد الإنسان هذه الثقة، فإنه لا يخسر المال فقط؛ يخسر الدافع إلى الاستثمار، والعمل، والزواج، والإنجاب، وبناء مشروع، وحتى الحلم.

ولهذا فإن إنقاذ لبنان لا ينبغي أن يُختصر في تغيير وزير أو تشكيل حكومة أو تمرير قانون جديد.

المطلوب إعادة بناء الثقة.

ثقة المواطن بعملة بلده، بمؤسساته، بقضائه، بإدارته، وبأن القانون لا يتغيّر بحسب اسم الشخص أو نفوذه.

قد تستطيع الدولة أن تطلب من المواطن مزيدًا من الضرائب، لكنها لا تستطيع أن تطلب منه مزيدًا من الأمل إذا لم تقدّم له سببًا حقيقيًا للأمل.

لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى إدارة أزمته، بل إلى استعادة الإنسان الذي أنهكته هذه الأزمة. فالمعركة الحقيقية ليست مع الأرقام وحدها، ولا مع الأسعار والرسوم، بل مع اليأس الذي يحوّل الوطن إلى محطة مؤقتة، والمستقبل إلى فكرة مؤجلة.

لبنان يحتاج إلى الخروج من ثقافة الأزمة، لا إلى التعايش معها.

وهذا يبدأ عندما يصبح الإنسان، لا السلطة، محور الدولة؛ وعندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن عمله يصون كرامته، وأن الغد ليس نسخة أخرى من الخوف نفسه.

فالدولة التي تجعل مواطنها يفكر كيف ينجو من الغد، بدل أن يفكر كيف يبني الغد، لا تكون قد خسرت اقتصادها فقط…

بل تكون قد بدأت تخسر أبناءها، وأحلامهم، ومستقبلها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى