بين خطاب ترامب وباب المندب…هل تستعدّ المنطقة لتسوية كبرى؟

ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
لم يكن خطاب دونالد ترامب في الأمم المتحدة مجرد خطاب ناري جديد في سلسلة خطابات المنطقة. خلف التهديدات الموجّهة إلى إيران، ظهرت رسالة سياسية أكثر عمقًا: واشنطن تريد الضغط على طهران، لكنها في الوقت نفسه لا تغلق باب التفاهم.
وهنا تكمن المفارقة, فبينما ترتفع لغة التهديد، تستمر الاتصالات الأميركية–الإيرانية. وبينما تُشدّد واشنطن قبضتها على المنطقة، تتجنب فتح جبهات جديدة قد يصعب إغلاقها. وما جرى في باب المندب والبحر الأحمر يقدم نموذجًا واضحًا: الولايات المتحدة تريد حماية الملاحة ومصالح حلفائها، لكنها تدرك أن تحويل كل جبهة إلى حرب مباشرة قد يوسّع الصراع بدل أن ينهيه.
هرمز وباب المندب… مفتاحان في لعبة واحدة
اليوم لم تعد المعركة مرتبطة فقط بالصواريخ والطائرات.
مضيق هرمز وباب المندب أصبحا ورقتين سياسيتين واقتصاديتين في أي تسوية مقبلة.
إيران تستطيع التأثير في هرمز، والحوثيون يستطيعون تهديد باب المندب، والولايات المتحدة تريد إبقاء طرق الطاقة والتجارة مفتوحة. ولذلك فإن أي تفاهم أميركي–إيراني حقيقي لن يكون محصورًا في الملف النووي، بل قد يمتد إلى أمن الخليج والممرات البحرية واليمن وساحات أخرى.
ومن هنا يمكن فهم سبب استمرار واشنطن في الضغط، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.
القوة بالنسبة إلى واشنطن ليست بالضرورة مقدمة للحرب؛ قد تكون أيضًا وسيلة للوصول إلى طاولة المفاوضات بشروط أقوى.
إيران أمام خيار صعب, طهران تدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة له كلفة كبيرة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تدخل أي تسوية من موقع الطرف المهزوم.
لذلك تبدو المعادلة أقرب إلى ، واشنطن تريد تنازلات إيرانية، وطهران تريد مقابلًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن مضيق هرمز، والعقوبات، والموانئ، والملف النووي، والأدوار الإقليمية.
إذا نجحت الاتصالات، فقد نكون أمام تسوية تدريجية لا أمام مصافحة مفاجئة تعلن انتهاء الخلاف الأميركي–الإيراني.
وماذا تريد أميركا للمنطقة؟
المؤشرات المطروحة تشير إلى أن واشنطن لا تفكر فقط في كيفية إنهاء مواجهة مع إيران، بل في شكل المنطقة بعد المواجهة.
غزة، سوريا، لبنان، الخليج، اليمن، إسرائيل، والعلاقة مع السعودية كلها ملفات متداخلة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من إيران…من سيحكم الأمن الإقليمي؟ ومن سيضمن الملاحة؟ وكيف ستُرسم حدود النفوذ بعد انتهاء الحروب؟
واشنطن تريد منظومة إقليمية أكثر ارتباطًا بها أمنيًا واقتصاديًا، وإسرائيل تريد ترتيبات أمنية تمنع تكرار هجمات السابع من تشرين الأول وما تلاها، ودول الخليج تريد الاستقرار وحماية الاقتصاد والطاقة، بينما تحاول إيران الحفاظ على نفوذها ومصالحها.
هذه المصالح المتعارضة هي التي ستحدد شكل التسوية، إن حصلت.
لبنان… أين سيكون في الخريطة الجديدة؟
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر.
لبنان لا يستطيع أن يتعامل مع ما يجري وكأنه بعيد عنه.
الجنوب اللبناني ليس ملفًا منفصلًا عن الإقليم.
ما يحدث حول تلة علي الطاهر، والوجود العسكري الإسرائيلي، ومواقع حزب الله، والحدود، والاتفاقات الأمنية، كلها يمكن أن تتحول إلى أوراق على طاولة أي تسوية إقليمية.
فإذا نجحت واشنطن وطهران في الوصول إلى تفاهم، فقد نشهد ضغطًا أكبر باتجاه ترتيبات أمنية وسياسية في لبنان والجنوب.
أما إذا انهارت المفاوضات وعادت المواجهة إلى مستوى أعلى، فإن لبنان سيكون من أكثر الساحات تأثرًا بأي تصعيد إقليمي.
ولهذا فإن علي الطاهر ليست مجرد تلة في الجنوب؛ إنها جزء من معادلة أمنية أوسع تتعلق بمن يملك الأرض ومن يملك قرار الحرب ومن يملك قرار التفاوض.
غزة وسوريا واليمن… حلقات في السلسلة نفسها
غزة تبقى أحد مفاتيح الاستقرار الإقليمي، وسوريا تدخل مرحلة حساسة في إعادة ترتيب علاقاتها الأمنية، واليمن وباب المندب يربطان أمن المنطقة بأمن التجارة العالمية.
ولهذا فإن أي تسوية حقيقية لن تكون اتفاقًا ثنائيًا صغيرًا.
قد تكون سلسلة تفاهمات مترابطة، إيران والولايات المتحدة، غزة، سوريا، لبنان، الخليج واليمن.
وهنا بالضبط تكمن أهمية المرحلة المقبلة.
هل نحن أمام مصالحة أميركية–إيرانية؟
حتى الآن، لا يمكن القول إن المصالحة قد حصلت.
لكن يمكن القول إن باب التسوية موجود، وإن الاتصالات المباشرة تجعل احتمال التفاهم أكثر واقعية من مجرد حديث إعلامي.
والفرق كبير بين أن تتوقف الحرب وبين أن تُعاد صياغة قواعد العلاقة بين واشنطن وطهران.
قد لا نشهد «مصالحة» بالمعنى التقليدي، بل صفقة مصالح، تخفف إيران بعض الملفات، وتخفف واشنطن بعض الضغوط، ويُعاد ترتيب عدد من الساحات الإقليمية.
وهذا النوع من التسويات هو الذي غيّر وجه الشرق الأوسط في مراحل سابقة.
واللبناني ماذا يفعل؟
لا ينبغي للبنان أن ينتظر حتى تنتهي الدول الكبرى من رسم الخريطة ثم يسأل عن مكانه عليها.
المطلوب أن يكون للبنان موقف واضح ومصلحة واضحة ودولة قادرة على التفاوض باسم جميع اللبنانيين.
فالمنطقة تتحرك..إيران تفاوض وتقاوم، أميركا تضغط وتفاوض.إسرائيل تثبّت مواقعها وتفاوض من موقع القوة.
الخليج يبحث عن الأمن.
واليمن وباب المندب يذكران العالم بأن أي حرب في المنطقة يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة دولية.
أما لبنان، فلا يجوز أن يبقى الساحة التي يدفع شعبها ثمن القرارات التي تُتخذ خارج حدودها.
السؤال الحقيقي هذا الصباح ليس فقط،هل ستقع حرب جديدة؟
السؤال الأهم هو، إذا وصلت المنطقة إلى التسوية… هل سيكون لبنان على طاولة صناعة التسوية، أم سيكون مجرد بندٍ في تسوية الآخرين؟؟؟