الخطاب الحلابسة !!! من عمّان إلى الأمم المتحدة

بقلم : على خليل


الملك في معركة مع طواحين الهواء …  ويكتشف إسرائيل فجأة!

يبدو أن الملك عبد الله الثاني اكتشف أخيرًا أن في المنطقة مشكلة اسمها إسرائيل.

الاكتشاف جاء هذه المرة من فوق منصة الأمم المتحدة، وبصيغة تبدو وكأنها بيان اكتشاف جغرافي جديد: «اليوم سوريا هي التحذير»، وإسرائيل أصبحت، بحسب الخطاب، صاحبة «شهية» تشكل تهديدًا إقليميًا.

ولا بأس.

لكن لمن يراقب السياسة الأردنية منذ سنوات، قد تبدو المفاجأة أكبر من المشكلة نفسها.

فالأردن دولة تعرف إسرائيل جيدًا، وترتبط معها بمعاهدة سلام، ولها معها حدود وعلاقات واتصالات وحسابات أمنية وسياسية معقدة. ولذلك قد يتساءل المتابع، بشيء من الدهشة وربما بشيء من الابتسامة: كيف تحولت إسرائيل فجأة من دولة يجب التعامل معها بحسابات دقيقة إلى «طاحونة هواء» تستحق أن يخرج الملك بسيف الخطابة لمحاربتها؟

هنا تبدأ الحكاية الحلابسة.

فالملك يقف أمام الجمعية العامة ليحذر من إسرائيل في سوريا، وكأن سوريا استيقظت صباحًا لتكتشف أن إسرائيل هي المشكلة الوحيدة في المنطقة، وكأن إيران لم تدخل حسابات الإقليم، وكأن العراق لم يعرف سنوات طويلة من الحرب والفوضى، وكأن اليمن لم يتحول إلى ساحة صراع، وكأن ليبيا لم تدخل نفق الانقسام، وكأن تنظيم داعش لم يترك وراءه كل ذلك الخراب.

ولعل أكثر ما يضيف نكهة خاصة إلى «الخطاب الحلابسة» أن الأردن نفسه لم يكن بعيدًا عن ترتيبات التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي عبرت أجواء المنطقة باتجاه إسرائيل، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بحماية أمنه وحدوده. وهنا تبدو المفارقة واضحة: ففي الواقع تتحرك الدول بمنطق الأمن والمصالح، أما على منصات الأمم المتحدة فتتحرك أحيانًا بلغة أكثر اتساعًا وبلاغة. وبين الواقع والخطاب، تواصل طواحين الهواء دورانها المعتاد.

فجأة، أصبح كل شيء بسيطًا.

هناك إسرائيل.

وهناك سوريا.

وهناك خطاب في الأمم المتحدة.

أما بقية الحكاية، فيبدو أنها أخذت إجازة.

الروابط بين شمال الأردن وجنوب سوريا قديمة، ولهذا فإن قلق عمّان من أي اضطراب في الجنوب السوري مفهوم. فالأردن لا يحتاج إلى منظار حتى يرى ما يحدث خلف حدوده، ولا يحتاج إلى محلل استراتيجي ليعرف أن الفوضى في سوريا يمكن أن تكون مصدر قلق مباشر له.

لكن المشكلة أن الخطاب اختار أن يقدم المشهد بطريقة تكاد تجعل إسرائيل تبدو وكأنها المخرج الوحيد لكل أزمات المنطقة.

وهنا يصبح السؤال أكثر طرافة: هل اكتشف الملك فجأة أن إسرائيل خطر إقليمي، أم أن الخطاب السياسي يحتاج أحيانًا إلى عدو واضح حتى تبدو الصورة أبسط مما هي عليه؟

الأردن اعتاد انتقاد إسرائيل في الأمم المتحدة، كما يدعم حل الدولتين والحقوق الفلسطينية ويحافظ على موقفه المعروف من القدس والأماكن المقدسة. لكن خطاب 22 سبتمبر ذهب خطوة أبعد، حين نقل التحذير من الأراضي الفلسطينية إلى سوريا وإلى الإقليم بأكمله.

وقال الملك: «إن شهية هذه الحكومة الإسرائيلية تشكل الآن تهديدًا إقليميًا. واليوم سوريا هي التحذير».

عبارة كبيرة.

لكن المنطقة، للأسف، أكبر من عبارة.

فمنذ الغزو الأمريكي للعراق، مرورًا بالربيع العربي والحروب الأهلية، وصعود داعش، واتساع النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لم تكن إسرائيل وحدها حاضرة في حسابات الأمن الإقليمي.

بل إن دولًا عربية عديدة، خلال سنوات 2015 إلى 2020، كانت ترى في داعش والتمدد الإيراني تهديدات مباشرة لأمنها.

إذن، ماذا حدث؟

هل أعيد ترتيب دفتر المخاطر؟

هل جرى شطب بعض الأسماء بالقلم الأحمر، ثم وضع اسم إسرائيل في أعلى الصفحة من جديد؟

ربما.

لكن المضحك قليلًا أن الخطاب يبدو أحيانًا وكأن صاحبه يريد أن يخرج بسيفه لمواجهة طواحين الهواء الإقليمية؛ يلوح به في الهواء، بينما الطواحين الحقيقية موزعة في كل مكان.

والأردن نفسه ليس بعيدًا عن تعقيدات المنطقة. فقد عاش صدامات داخلية في سبعينيات القرن الماضي مرتبطة بالفصائل الفلسطينية، ثم أعاد خلال التسعينيات تعريف علاقاته بالضفة الغربية، وظل طوال عقود يتعامل مع بيئة إقليمية شديدة الحساسية.

ولهذا فإن السؤال ليس ما إذا كان للأردن الحق في القلق.

بالطبع له الحق.

السؤال هو: لماذا يبدو الخطاب وكأن اكتشاف الخطر جاء متأخرًا، وكأن المنطقة لم تكن تعيش كل هذه الأزمات إلا بالأمس؟

هنا تكمن المفارقة.

ملكٌ يتعامل مع إسرائيل بحسابات شديدة الدقة بحكم الجغرافيا والسياسة والأمن، ثم يقف أمام العالم ليحذر منها وكأنها اكتشاف جديد.

ملكٌ يعرف أن السياسة لا تتحرك خطوة واحدة في المنطقة من دون حسابات وحدود واتصالات، ثم يظهر في الخطاب وكأنه قرر فجأة أن يحمل سيفًا ويذهب لمحاربة طواحين الهواء.

وهذا لا يعني أن التحذير الأردني بلا قيمة.

بل يعني أن التحذير يصبح أكثر إقناعًا عندما يرى الصورة كاملة: إسرائيل، نعم؛ ولكن أيضًا إيران، والحروب الأهلية، والميليشيات، والإرهاب، وانهيار بعض مؤسسات الدولة، والتدخلات الخارجية، والصراعات التي جعلت الشرق الأوسط منطقة مفتوحة على كل الاحتمالات.

وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة في أن الملك تحدث عن إسرائيل.

المشكلة في أن الخطاب الحلابسة يجعلنا نتساءل: هل اكتشفنا المشكلة فعلًا، أم أننا فقط اكتشفنا عنوانًا جديدًا لخطاب قديم؟

أما طواحين الهواء، فستظل تدور.

والمنطقة ستظل مشغولة بإطفاء الحرائق الحقيقية، لا بمحاربة الطواحين.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى