لبنان يُطلب منه السلام تحت النار

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
منذ إعلان وقف إطلاق النار، لم يتوقف القتل والقصف الإسرائيليان في الجنوب اللبناني. غارات متواصلة تحصد أرواح المدنيين، وتوقع الجرحى، وتطاول المنازل والمرافق الصحية، وتدفع أهالي القرى الجنوبية إلى مزيد من النزوح. ومع ذلك، يلتزم المجتمع الدولي صمتاً أنانياً ومخزياً، لا تقطعه في كثير من الأحيان سوى بيانات القلق والمراقبة، وكأن دماء اللبنانيين وانتهاك سيادة بلدهم لا يستحقان موقفاً جدياً أو تحركاً فعلياً.
في هذا السياق، تبدو مطالبة الدولة اللبنانية بالتوجه نحو «اتفاق الإطار» والانخراط في التفاوض منفصلة عن الواقع الميداني. فكيف يمكن دفع لبنان إلى مسار تفاوضي فيما تتعرض أراضيه للقتل والقصف، وتُنتهك سيادته، وتبقى أجزاء منه تحت الاحتلال أو التهديد؟
لا يتعلق الأمر بخلاف سياسي عابر أو بنزاع متكافئ بين طرفين. فلبنان يُطالب بالالتزام بالتفاوض وبسط سلطة الدولة، بينما يحتفظ الطرف الآخر بقدرة على القصف والتحرك داخل الأراضي اللبنانية، من دون ردع دولي فعّال أو محاسبة توازي حجم الجرائم والانتهاكات.
في مثل هذه الظروف، يصعب الحديث عن تفاوض عادل أو متوازن. فالتفاوض يفترض حداً أدنى من الاستقرار والاحترام المتبادل للالتزامات، لا أن يجلس طرف إلى الطاولة فيما يواصل الطرف الآخر قتل المدنيين وقصف بلداتهم وتهجيرهم وفرض الوقائع بالقوة، وسط صمت دولي أناني يتعامل مع معاناة اللبنانيين كأنها مسألة هامشية.
لا يعني ذلك تعطيل قيام الدولة اللبنانية بدورها أو إعفاء المجتمع الدولي من مسؤولياته. لكنه يقتضي إنهاء ازدواجية المعايير واعتماد قاعدة واضحة: سيادة لبنان وحماية مدنييه ليستا موضوعاً للمساومة، ولا يجوز أن تتوقفا على إرادة الجهة المعتدية أو على مستوى الضغط الدولي.
وإذا كان المجتمع الدولي يريد من لبنان الاحتكام إلى الدولة والمؤسسات والقانون، فعليه أن يحمي هذه الدولة من الانتهاك، وأن يفرض احترام سيادتها، وأن يضمن وقفاً حقيقياً وملزماً لإطلاق النار، لا هدنة يلتزم بها طرف واحد فيما يستمر الطرف الآخر في القتل والقصف، وتبقى الحدود اللبنانية مفتوحة أمام الاعتداءات.
إن مطالبة لبنان بتقديم مزيد من التنازلات، بالتزامن مع الصمت عن قتل الجنوبيين وقصفهم وتهجيرهم، لا تمثل حياداً ولا تقود إلى السلام. فهذا الصمت الدولي ليس عجزاً فحسب، بل أنانية سياسية تكشف ازدواجية المعايير في التعامل مع دماء الشعوب وسيادتها.
فالسلام لا يُبنى تحت النار، والتفاوض لا يكون متكافئاً في ظل القتل والقصف والتهديد، والسيادة لا يمكن أن تكون مسؤولية لبنانية حصرية فيما تُترك الانتهاكات الإسرائيلية بلا ردع أو محاسبة.
وفي الجنوب، لا تُقصف حجارة صامتة، بل تُهدم بيوتٌ كانت تؤوي عائلات، وتُمحى قرى تحمل ذاكرة أهلها وأعمارهم وأحلامهم. هناك أمهات ينتظرن أبناءهن، وأطفال يكبرون بين الركام، وعائلات تُقتلع من أرضها مرة بعد مرة، فيما يواصل العالم عدّ الضحايا وإصدار بياناته الباردة.
كفى صمتاً. كفى تبريراً. كفى تعاملاً مع دماء أهلنا كأنها تفصيل هامشي في حسابات السياسة.
أوقفوا قتل أهلنا في الجنوب، أوقفوا تدمير بيوتهم وقراهم، أوقفوا تهجيرهم من أرضهم. فلبنان لا يطلب شفقة، بل يطلب حقه في الحياة والأمان والسيادة.