المجموع لا يصنع انسانًا ؟!!!

كل عام، ومع ظهور نتيجة الثانوية العامة، لا تظهر الدرجات فقط، بل تظهر معها أحكام جاهزة، ونظرات متعالية، وعبارات قد تترك جروحًا أعمق من أي رقم مكتوب في شهادة. فجأة يتحول المجموع إلى مقياس لقيمة الإنسان، وتتحول الكلية إلى بطاقة تحدد مقدار الاحترام الذي يستحقه صاحبها. هذا دخل طب، إذن هو ناجح وعظيم. وهذا دخل معهد أو كلية نظرية، إذن حياته انتهت قبل أن تبدأ. وكأن مصير البشر يمكن اختصاره في رقم من ثلاثة أرقام.
لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن هذه الفكرة ليست مجرد فكرة خاطئة، بل واحدة من أخطر الأوهام التي صنعها المجتمع وصدقها.

عندما يصبح المجموع إلهًا صغيرًا

في يوم النتيجة، تنقسم البيوت إلى قسمين، بيوت تفتح أبوابها للتهاني والزغاريد، وأخرى تغلق أبوابها على الدموع والصمت. هناك من يشعر أنه انتصر في معركة الحياة كلها، وهناك من يشعر أن كل الأبواب أغلقت في وجهه، فقط لأنه حصل على مجموع أقل من المتوقع.
لكن السؤال الذي لا يسأله أحد: هل المجموع فعلًا هو الحياة؟ هل يمكن لامتحان استمر ساعات قليلة أن يحدد قيمة إنسان عاش سنوات كاملة؟ هل يمكن لورقة إجابة أن تقرر من سينجح ومن سيفشل بعد عشرين عامًا؟
لو كانت الإجابة نعم، لكانت الدنيا أكثر الأماكن عدلًا ومنطقية. لكنها ليست كذلك، فكم من شخص حصل على أعلى الدرجات ثم اختفى اسمه بعد سنوات، وكم من شخص كان في ذيل القائمة ثم صنع لنفسه مكانًا لم يتوقعه أحد.
الدرجات تقيس قدرتك على اجتياز امتحان، لكنها لا تقيس الشجاعة، ولا الإبداع، ولا الذكاء الاجتماعي، ولا القدرة على إدارة الأزمات، ولا الصبر، ولا الطموح، ولا قوة الشخصية.
والحياة في النهاية تحتاج لكل هذه الأشياء أكثر مما تحتاج إلى مجموع.

مهزلة “ابننا في طب”

لدينا أزمة حقيقية في نظرتنا للنجاح، فنحن لا نفرح أحيانًا بالإنسان نفسه، بل باللافتة التي ستوضع فوق اسمه.
ابننا في طب.
ابنتنا في هندسة.
ابننا في صيدلة.
ثم تبدأ حفلات التصنيف.
هذا محترم.
هذا عبقري.
هذا مشروع ناجح.
أما الآخر؟
معهد، تجارة، آداب، خدمة اجتماعية، حقوق، إعلام.
إذن هو أقل قيمة.
وكأن الاحترام شهادة تمنحها كلية، لا أخلاق يصنعها إنسان، المشكلة أن المجتمع لم يعد يقيّم الناس بما يفعلونه، بل بما يدرسون.
لا أحد يسأل: هل هو محترم فعلًا؟ هل هو أمين؟ هل ينفع الناس؟ هل لديه طموح؟ هل سيضيف شيئًا للعالم؟
كل ما يهم هو اسم الكلية، وكأن الاسم أهم من الشخص نفسه.

الطب لا يصنع الملائكة

هناك وهم آخر يجب كسره، حيث أن البعض يتعامل مع دخول الطب على أنه شهادة أخلاق، لا شهادة علمية، وكأن الطبيب إنسان أفضل من غيره تلقائيًا، وهذا غير صحيح.
الطب مهنة عظيمة ومحترمة بلا شك، لكن من يدرسها يظل إنسانًا مثل أي إنسان، من بين الأطباء من أفنى عمره في علاج المرضى والبذل من أجل الناس، ومن بينهم أيضًا من ارتكب جرائم، أو خان الأمانة، أو استغل منصبه، أو دخل السجن، لأن الكلية لا تصنع الأخلاق، الأخلاق يصنعها الإنسان.
ولو كانت الشهادة تصنع النزاهة لما وجدنا فاسدًا يحمل أعلى المؤهلات في العالم.
الحقيقة البسيطة هي أن النجاح المهني شيء، والنجاح الإنساني شيء آخر تمامًا، فقد تكون طبيبًا فاشلًا في حياتك الشخصية، وقد تكون صاحب معهد أو دبلوم وتصبح نموذجًا للنجاح والإلهام.

المعهد ليس حكمًا بالإعدام

أشفق كثيرًا على الطلاب الذين يدخلون معاهد أو كليات لا ترضي أحلام المجتمع، ليس لأنهم فشلوا، بل لأن المجتمع أقنعهم أنهم فشلوا، والفرق كبير جدًا.
تخيل شابًا اجتهد سنوات، ثم جاءت النتيجة أقل مما أراد، بدلًا من أن يسمع: “هذه مجرد محطة.” يسمع: “خلصت”، “مستقبلك ضاع”، “كنت هتبقى حاجة”، “يا خسارة.” وكأن حياته انتهت عند عمر الثامنة عشرة.
أي ظلم هذا؟ كيف نقنع إنسانًا في بداية الطريق أنه وصل إلى نهايته؟
والحقيقة هنا أن المعهد ليس نهاية شيء، بل بداية طريق مختلف، وقد يكون هذا الطريق أفضل ألف مرة من الطريق الذي كان يحلم به.
كم من شخص دخل كلية كان يتمناها ثم اكتشف بعد سنوات أنه يكرهها، وكم من شخص دخل مكانًا لم يرده أصلًا ثم وجد فيه شغفه الحقيقي.
الحياة ليست مستقيمًا هندسيًا، الحياة مليئة بالمفاجآت.

التاريخ لا يعترف بالمجاميع

لو فتشنا في قصص الناجحين سنجد أمرًا مدهشًا، فمعظم الناس لا يتذكرون مجموعهم بعد سنوات، لكن يتذكرون الفرص التي صنعوها، والمهارات التي تعلموها، والمخاطر التي خاضوها، والفشل الذي تجاوزوه، والنجاحات التي حققوها.
لا أحد يسأل رجل أعمال ناجحًا عن درجاته في الكيمياء، ولا أحد يسأل إعلاميًا مشهورًا عن مجموع الثانوية، ولا أحد يسأل كاتبًا عظيمًا كم أخذ في التفاضل والتكامل، وذلك لأن العالم الحقيقي لا يعمل بالطريقة التي يعمل بها مكتب التنسيق.
لكن العالم يسأل سؤالًا واحدًا: ماذا تستطيع أن تقدم؟ وليس: كم كان مجموعك؟

الكلية تفتح بابًا واحدًا فقط

ما لا يفهمه كثيرون أن الكلية ليست الحياة، لكنها مجرد باب من أبواب كثيرة، فهناك من يدخل أفضل الكليات ثم يقف عند هذا الحد، معتمدًا على الاسم فقط، وهناك من يدخل كلية متوسطة أو معهدًا بسيطًا، لكنه يقرأ ويتعلم ويطور نفسه ويكتسب مهارات جديدة كل يوم.
بعد سنوات، نجد الأول ما زال يعيش على أمجاد مجموعه القديم، أما الثاني فقد تجاوز الجميع، لأن الحياة تكافئ العمل المستمر، لا الإنجازات القديمة، مجموع الثانوية قد يمنحك فرصة البداية، لكنه لا يضمن لك النهاية.

أكبر كذبة نرددها لأبنائنا

أكبر كذبة نرددها هي: “المجموع هو مستقبلك”، وهذه جملة مرعبة لأنها تجعل طفلًا أو مراهقًا يربط قيمته الإنسانية كلها برقم.
إذا ارتفع الرقم شعر أنه يستحق الحب، وإذا انخفض شعر أنه لا يستحق شيئًا، بينما الحقيقة أن الإنسان أكبر من نتيجته وأكبر من امتحانه، وأكبر من تنسيقه، وأكبر من تصنيف الناس له، الفشل الحقيقي ليس أن تحصل على مجموع أقل، بل الفشل الحقيقي أن تصدق أن حياتك انتهت بسبب ذلك.

إلى الطالب الذي يبكي الآن

إذا كنت تجلس الآن تنظر إلى نتيجتك وتشعر أن الدنيا أظلمت أمامك، فأريدك أن تعرف شيئًا مهمًا جدًا، هذه النتيجة ليست حكمًا نهائيًا، ليست نهاية الرواية، ليست آخر صفحة في الكتاب.
إنها مجرد سطر صغير في فصل مبكر جدًا من حياتك، بعد عشر سنوات، قد تنظر إليها وتضحك، قد تكتشف أن أكثر الأشياء التي أبكتك لم تكن تستحق كل هذا الحزن، وقد تكتشف أن الله أغلق بابًا لتدخل من باب أفضل.
فلا تسمح لأحد أن يقنعك أنك أقل من غيرك، ولا تسمح لرقم أن يسرق منك ثقتك بنفسك، ولا تسمح للمقارنات أن تحطم روحك.
فكل إنسان له طريقه، كل إنسان له توقيته، وكل إنسان يملك فرصة لصناعة قصة مختلفة.

الرسالة التي يجب أن يسمعها الجميع

إلى الآباء والأمهات: لا تحولوا أبناءكم إلى أرقام، واحتفلوا بجهدهم قبل نتائجهم، واحتضنوهم في الخسارة كما تحتضنونهم في النجاح.

إلى المجتمع: كفوا عن توزيع الاحترام على الكليات، فالاحترام يُكتسب بالأخلاق والعمل، لا بأسماء الجامعات.

إلى المتفوقين: افرحوا بنجاحكم، فهو ثمرة تعبكم، لكن لا تنظروا إلى غيركم من أعلى، فالحياة أطول بكثير من قائمة أوائل الثانوية.

وإلى من لم يحصلوا على المجموع الذي أرادوه: ارفعوا رؤوسكم، فأنتم لم تخسروا الحياة، أنتم فقط بدأتم من طريق مختلف، وربما، بعد سنوات، يكون هذا الطريق هو أجمل ما حدث لكم.

في النهاية، سيأتي يوم يسقط فيه بريق الدرجات، وتختفي أوراق التنسيق، وتتلاشى أسماء الكليات من واجهة المشهد. سيبقى فقط ما صنعه كل إنسان بنفسه. سيبقى الخلق، والكفاح، والعلم الحقيقي، والأثر الذي تركه في حياة الآخرين. عندها لن يسأل أحد: “كم كان مجموعك في الثانوية العامة؟” بل سيسأل: ” ماذا فعلت بحياتك؟” وهذا هو السؤال الوحيد الذي يستحق فعلًا أن نخاف منه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى