خالد رويحة :حين تتحرك الجغرافيا بصوت أعلى من التفاصيل، لا يُفهم المشهد من عنوانه

خالد رويحة :حين تتحرك الجغرافيا بصوت أعلى من التفاصيل، لا يُفهم المشهد من عنوانه، بل من مجمل التفاعلات المتسارعة حوله. تظهر التحركات على السطح، لكن الأعمق منها غالبا هو تراكمات من التوترات والمصالح والقضايا التي تُستحضر لملء أي فراغ.
. وفي هذه الحالات، تكمن الخطورة في كيفية تفسير ما حدث وتقديم زواياه، إذ تصبح طريقة سرد الخبر مؤثرة بقدر الحدث نفسه، دافعة الجمهور نحو قراءات موجهة قبل اكتمال الصورة.
إن سرعة نقل الاستنتاجات تحول الاحتمالات إلى قناعات، ثم إلى مواقف متشنجة قبل توفر المعلومات الكافية. وفي بيئات التوتر، يصبح المشهد قابلا للتضخيم، حيث توظف الأحداث المحلية البسيطة داخل سرديات أوسع لا تعكس الواقع بقدر ما تخدم أجندات العدوان التي تتربص بالنسيج الاجتماعي، مستغلة أي خلافات بينية لتفتيت الجبهة الداخلية. لذا، يبقى الوعي بالتمييز بين الحدث كما وقع وبين الحدث كما يُروى هو خط الدفاع الأول، والقاعدة الأهم هي أن العقل الهادئ هو صمام الأمان الوحيد لمنع تحويل القضايا المحلية إلى أداة لتمزيق الصف الوطني.
أخطر انتصار يحققه أعداء الأمة ليس احتلال الأرض، بل احتلال العقول بزرع الطائفية والكراهية بين أبناء الدين الواحد.
لا يوجد دين اسمه السني، ولا دين اسمه الشيعي. ديننا هو الإسلام، وكتابنا القرآن، ونبينا محمد ﷺ، ومساجدنا تتسع لكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وما بعد ذلك من اختلافات لا ينبغي أن يتحول إلى وقود للفتنة أو سبب لإراقة الدماء.
حين ينشغل المسلم بعداوة أخيه، ينسى عدوه الحقيقي. وحين تتحول المنابر ووسائل الإعلام إلى ساحات تحريض، تصبح الأمة أضعف من أن تدافع عن قضاياها أو تبني مستقبلها.
قد تختلف الدول في سياساتها، وقد تتبدل التحالفات والمصالح، لكن الثابت الذي لا ينبغي أن يتغير هو أن وحدة الشعوب الإسلامية قوة، وأن الاقتتال الداخلي هدية مجانية لكل من يريد لهذه الأمة أن تبقى غارقة في صراعاتها.
لن تُبنى الأوطان بالمذاهب المتصارعة، بل بالعلم، والعدل، واحترام الإنسان، والتعاون على البر والتقوى. ولن ينهض الشرق ما دام أبناؤه يستهلكون طاقتهم في معارك الهوية والطائفة، بينما يتقدم العالم بالمعرفة والاقتصاد والتكنولوجيا.
إذا أردنا مستقبلاً مختلفاً، فلنبدأ بإسقاط لغة الكراهية من عقولنا قبل إسقاطها من خطاباتنا. فالأمة التي تتوحد على قيمها، يصعب كسرها، أما الأمة التي تتنازع فيما بينها، فإنها تهزم نفسها قبل أن يهزمها غيرها.
غزة لا تزال تقف في قلب العاصفة.
هناك حيث تتزاحم المآسي فوق أرض أنهكها الحصار والحرب، تعود الأونروا إلى واجهة الاستهداف، بينما تؤكد حركة حماس أن المساس بالوكالة ليس سوى امتداد لمحاولة تجريد الفلسطينيين من آخر مظلة إنسانية تحميهم. وفي مشهد يختصر وجع القطاع، ارتقى حارس المرمى الفلسطيني سليم الأشقر، تاركاً زوجته حاملة بطفلهما الأول، لتضيف الحرب حكاية جديدة إلى سجلها الثقيل. وفي الجهة المقابلة، تكشف أرقام وزارة الحرب الإسرائيلية عن أكثر من 26 ألف جندي أصيبوا منذ اندلاع الحرب، في اعتراف يعكس حجم الاستنزاف الذي يضرب المؤسسة العسكرية.
وفي لبنان، تتحرك الملفات السياسية على إيقاع مرحلة جديدة، مع إعلان تشكيل لجنة لبنانية سورية مشتركة لتعزيز التعاون بين البلدين، فيما تتقاطع المسارات الأمنية والسياسية وسط مشهد لا يزال يحمل كثيراً من الأسئلة أكثر مما يقدم من الإجابات.
أما في مضيق هرمز، فتزداد نبرة التحذير ارتفاعاً. طهران تؤكد أن أي سفينة تتجاوز المسارات المحددة أو تتجاهل بروتوكولات العبور ستواجه رداً فورياً، بينما انتهت جولة المحادثات غير المباشرة مع واشنطن في الدوحة من دون حسم ملف المضيق، لتبقى المياه الأكثر حساسية في العالم معلقة بين التفاوض واحتمالات التصعيد.
وفي الشرق الأوروبي، دوى انفجار هائل في كييف بعدما أعلنت موسكو استهداف مصنع ينتج أنظمة توجيه الصواريخ، لترتفع فوق المدينة سحابة ضخمة على شكل فطر، في مشهد أثار الانتباه رغم تأكيد عدم وجود أي تسرب إشعاعي. وبينما تتواصل الضربات، أعلنت أوكرانيا ارتفاع حصيلة ضحايا الهجوم إلى 18 قتيلاً و85 جريحاً، لتبقى الحرب هناك تكتب فصولها بالنار والركام.
تبدأ الأزمات غالباً بصوتٍ منخفض لا يكاد يلتفت إليه أحد. كلمة تُقال في لحظة غضب،
موقف يُفهم على غير مقصده، إشاعة تبحث عن آذانٍ متعبة، أو انفعال يجد من يغذيه. في تلك اللحظات، لا يكون الخطر قد وُلد بعد، لكنه يكون قد وجد أول طريق إليه.
ثم تتسارع الخطى. ترتفع الأصوات، ويعلو الضجيج، ويصبح كل طرف منشغلاً بإثبات أنه على حق، بينما تتراجع الأسئلة التي كان يجب أن تُطرح في البداية. لم يعد أحد يسأل: كيف نمنع الأزمة؟ بل أصبح السؤال: كيف ننتصر فيها؟
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية.
فالضجيج لا يمنح العقل فرصة ليرى المشهد كاملاً، بل يدفعه إلى النظر من زاوية واحدة. وكلما ارتفع الصراخ، ضاقت مساحة الحكمة، حتى يصبح الاندفاع بديلاً عن التفكير، ورد الفعل بديلاً عن قراءة العواقب.
وفي قلب كل أزمة، هناك من لا يكتب بياناً، ولا يحمل موقفاً، ولا يملك قراراً. هناك أطفال لا يعرفون لماذا تبدلت الوجوه، ولماذا تغيرت نبرة الأصوات، ولماذا أصبح الخوف ضيفاً دائماً على البيوت. هم لا يفهمون تفاصيل الخلاف، لكنهم يحملون آثاره في ذاكرتهم لسنوات.
ولهذا، فإن المنتصر الحقيقي ليس من يقف آخر المعركة ليرفع راية النصر، بل من يمنع المعركة قبل أن تبدأ. ليس من يطفئ الحريق بعد أن يلتهم كل شيء، بل من يرى أول شرارة، فيُحسن التعامل معها قبل أن تتحول إلى نار لا تفرق بين بيت وآخر، ولا بين رابح وخاسر.
فالأزمات لا تختبر قوة الأيدي بقدر ما تختبر حكمة العقول. ومن يربح عقله في لحظة الغضب، يكون قد ربح ما هو أعظم من أي انتصار مؤقت.
في غزة، لم تعد المأساة تقف عند حدود الحياة، بل امتدت حتى إلى الموت.
فمع استمرار العدوان، تواجه المدينة أزمة خانقة في المقابر بعد أن طال القصف المدافن، وقلّص المساحات، وأفقد القائمين عليها أبسط مقومات دفن الشهداء بكرامة. لم تعد الحجارة متوفرة لبناء القبور، ولا الأرض تكفي لاستقبال المزيد من الراحلين، بينما يتزايد عدد الشهداء يوماً بعد آخر.
المشهد الأكثر قسوة أن عائلات كثيرة باتت تضطر لدفن أحبائها فوق قبور سابقة، فيما يجتمع عشرات الشهداء في قبر واحد ضيق، ليس لأنهم اختاروا ذلك، بل لأن الحرب لم تترك لهم متسعاً حتى في مثواهم الأخير.
وبين ركام المقابر المدمرة، يمضي الآباء والأمهات يبحثون عن أثر لقبور أبنائهم بعدما اختفت الشواهد وامتزج التراب بالدم، في صورة تختصر حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها غزة.
إنها مأساة تتجاوز حدود الدمار إلى انتهاك أبسط الحقوق الإنسانية: حق الإنسان في أن يُوارى الثرى بكرامة، وهو حق لا يقل قداسة عن حقه في الحياة.
ليس كل ما يثير غضبك يستحق أن تقف معه، وليس كل ما يلامس مشاعرك يحمل الحقيقة.
توقف لحظة قبل أن تُكوّن موقفًا، فالعقول لا تُقاس بسرعة الانفعال، بل بدقة التمييز.
قد يمنحك الهدوء دقائق من الانتظار، لكنه قد ينقذك من سنوات من الندم.
فالوعي ليس أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف متى تُصدق، ومتى تتريث، ومتى تترك الحقيقة تأخذ وقتها قبل أن تحكم عليها.