يا لَلعار… ويا لَخَجلتاه

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
أن يصل الإنسان إلى مرحلةٍ يبيع فيها بيئته وأهله وربعه على أبواب التصفيق الرخيص، فهذه ليست “حرية رأي”، بل سقوطٌ أخلاقيٌّ مُخجل لا يُغطّيه أي شعار.
ترى أحدهم يشتم ناسه ليلَ نهار، ويُمعن في الإهانة والتشفّي، ظنّاً منه أنّه أصبح “مثقفاً” أو “مختلفاً”، بينما الحقيقة أنّه لم يكسب سوى نظرات الاحتقار ممّن يصفّقون له في العلن ويضحكون عليه في الخفاء.
فمن يعتاد استخدام البشر كأداة للشماتة، لن يحترم يوماً مَن خان أهله ليُرضيه.
والمثير للشفقة أنّ بعض هؤلاء يظنّ أنّ التبرّؤ من بيئته يرفعه درجة، فيتحوّل إلى شخصٍ مستعدّ لجلد ناسه أمام الغرباء فقط ليحصل على كلمة مديح أو تصفيقٍ عابر. لكنه لا يدرك أنّه، في نظر كثيرين، ليس “شجاعاً” بل إنسانٌ تنكّر لأصله، ومن تنكّر لأصله لا يُؤتمن على موقفٍ ولا على قضية.
الاختلاف لا يعيب أحداً، والنقد حقّ مشروع، لكنّ تحويل النفس إلى منصّة لشتم الأهل والبيئة والطائفة والناس الذين عاش بينهم الإنسان، ليس بطولة… بل عقدة نقصٍ واستجداء قبولٍ عند الآخرين.
وسيأتي اليوم الذي تنتهي فيه حفلة التصفيق، وعند أوّل خلاف مع الذين يصفّقون له اليوم، سيتحوّل هو نفسه إلى مادّة للسخرية والشتيمة، لأنّ مَن اعتاد خيانة الناس بالكلام، لا يحصد في النهاية إلا الإهانة نفسها.
فاحترموا اختلافاتكم، لكن لا تسقطوا إلى مستوى التشفّي بأهلكم وناسكم فقط لإرضاء جمهورٍ لن يعتبركم يوماً واحداً “منه”.
لأنّ الإنسان الذي يبيع بيئته ليُصفَّق له… يخسر احترام الجميع، حتى احترام نفسه..
وما هو أكثرُ خجلاً وإهانةً للنفس، أن ترى إنساناً يخرج عبر المنصّات أو الشاشات، لا ليطرح فكراً أو حلاً أو مشروعاً، بل ليتفاخر بأنّه يشتم جماعته وبيئته وأهله أمام الناس، وكأنّ التخلّي عن أصله أصبح إنجازاً يُكافَأ عليه.
يقف متباهياً بكلمات التجريح، منتظراً بعض التصفيق الرخيص أو حفنة دولارات أو لحظة اهتمامٍ عابرة، غير مدرك أنّ الكرامة حين تُباع بهذا الشكل لا يمكن شراؤها مجدداً.
فمن يعتاد إذلال ناسه أمام الغرباء، يتحوّل مع الوقت إلى مجرّد أداة تُستعمل عند الحاجة ثم تُرمى عند انتهاء الدور.
والمؤسف أنّ بعضهم لا يفهم أنّ الذين يضحكون له اليوم، ينظرون إليه في قرارة أنفسهم بازدراء، لأنّ الإنسان الذي يهاجم أهله بهذه القسوة طمعاً بالقبول، لا يُنظر إليه كشخصٍ “حرّ”، بل كشخصٍ مستعدّ لبيع أي شيء مقابل الضوء والشهرة والمصلحة.
النقد الشريف يبقى محترماً مهما كان قاسياً، أمّا تحويل الإعلام والمنصّات إلى مسرحٍ لإهانة البيئة والأهل والتشفّي بالناس، فذلك لا يدلّ على قوّة شخصية، بل على فراغٍ داخليّ وحاجةٍ دائمة للتصفيق مهما كان الثمن.
فليتذكّر هؤلاء أنّ الإنسان قد يختلف مع جماعته، وقد يغضب منها، وقد يعارضها، لكنّ الشريف لا يحوّل نفسه إلى مادّةٍ للتسوّل السياسي والإعلامي على حساب كرامة ناسه..