دولة الكفاءة… الحلّ لإنقاذ الوطن

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

يسألني الكثير: ما هو الحلّ لإنقاذ الوطن؟

والحقيقة أنّ الجواب لا يُختصر بكلمة، ولا يُبنى على شعار، بل يبدأ من الاعتراف بأنّ الطائفية في لبنان ليست مجرّد خطابٍ ننتقده، بل نظامٌ يُدير تفاصيل الحياة اليومية: من الوظيفة إلى الاستشفاء، ومن التمثيل السياسي إلى أبسط معاملة. لذلك، فإن الدعوة إلى إلغائها بالكلام وحده تبقى قاصرة، لأن المواطن—حتى لو أعلن رفضه لها—يعود إليها عندما يشعر بأنّها ملاذه الأخير في مواجهة دولةٍ ضعيفة. من هنا، فإن الحلّ الجذري لا يبدأ بمحاربة الطائفة، بل ببناء دولةٍ تُغني عنها.

المدخل الأول هو توحيد هوية المواطن قانونيًا. لا يمكن أن نطلب من اللبناني أن يتصرّف كمواطنٍ كامل فيما الدولة نفسها تُعرّفه في سجلاتها على أساس مذهبه. إن إلغاء خانة المذهب من السجلات الرسمية ليس إجراءً شكليًا، بل هو إعلانٌ بأن علاقة الفرد بالدولة تقوم على الحقوق والواجبات فقط. وفي السياق نفسه، يصبح من الضروري إنهاء أي تصنيفٍ من نوع “لبناني قديم” و“لبناني جديد”. فالمواطنة لا تُقاس بزمن اكتسابها، ولا يجوز أن تكون درجات. اللبناني هو لبناني، دون إضافات تُضعف هذا التعريف أو تُفرّغه من مضمونه.

غير أنّ توحيد الهوية القانونية لا يكفي وحده. فالمواطن لا يتخلّى عن طائفته إن لم يشعر بأن الدولة قادرة على حمايته وتأمين حياته. لذلك، يشكّل الضمان الاجتماعي الشامل حجر الأساس: كهرباء مستقرة، مياه، استشفاء، تعليم، وسكن لائق. عندما تتحوّل هذه الخدمات إلى حقوقٍ مكفولة، لا يعود المواطن بحاجة إلى “واسطة” أو حماية زعيم، وتبدأ الطائفية بخسارة وظيفتها الأساسية.

في موازاة ذلك، يجب تحرير الإدارة العامة من المحاصصة. الطريق واضح: مباريات وطنية شفافة، إشراف مستقل، ومعيار واحد هو الكفاءة. لا يمكن لدولةٍ أن تنهض فيما الوظيفة العامة تُوزَّع كغنيمة. إن إعادة الاعتبار لمجلس الخدمة المدنية وتحصينه، إلى جانب إنشاء هيئة مستقلة للتوظيف، يشكّلان المدخل العملي لبناء إدارة حديثة، حيث يصبح الموقع نتيجة جهدٍ واستحقاق لا نتيجة انتماء.

أما على المستوى السياسي، فلا يمكن القبول باستمرار نظامٍ يعيد إنتاج الطوائف نفسها. المطلوب هو الانتقال إلى مجلس نيابي وطني واحد خارج القيد الطائفي، يقوم على النسبية ودوائر واسعة أو دائرة وطنية، بما يفرض نشوء قوى سياسية عابرة للطوائف. وهنا، يبرز خيارٌ حاسم: لا لإعادة إنتاج الطائفية تحت مسمّيات جديدة. لذلك، فإن رفض إنشاء مجلس شيوخ طائفي حتى ولو نصّ عليه اتفاق الطائف ينطلق من مبدأ واضح، لا يمكن بناء دولة مدنية عبر تثبيت الطوائف داخل مؤسساتها. المطلوب ليس نقل الطائفية من مجلس إلى آخر، بل إنهاؤها من جذورها.

وبدل التمثيل الطائفي، يجب إرساء ضمانات دستورية مدنية: مبدأ مساواة كامل لا يقبل التأويل، مجلس دستوري قوي ومستقل يمنع أي تهميش، وقوانين تحمي التنوّع الثقافي والديني دون تحويله إلى سلطة سياسية. فالحماية الحقيقية لا تأتي من الحصص، بل من دولة القانون.

كما أنّ اللامركزية الإدارية الموسّعة تشكّل ركيزة أساسية لتخفيف الاحتقان. نقل الصلاحيات إلى البلديات والمحافظات، وتمكين المناطق من إدارة شؤونها الإنمائية، يحدّ من الصراع على السلطة المركزية، ويجعل التنمية أقرب إلى الناس وأكثر عدالة.

ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون قضاء مستقل. الفساد ليس عرضًا جانبيًا، بل هو جزء من بنية النظام الطائفي. وعندما يغيب الحساب، تتكرّس الزعامات نفسها. لذلك، فإن إقرار استقلالية القضاء، وتعزيز الأجهزة الرقابية، وربط أي مسؤول بمبدأ عدم الإفلات من العقاب، ليست تفاصيل تقنية، بل شروط تأسيسية.

إلى جانب ذلك، يبقى بناء ثقافة وطنية جامعة ضرورة لا تقل أهمية. لا يمكن لدولة أن تستقر فيما أبناؤها يتعلّمون تاريخًا مختلفًا وروايات متناقضة. إن تحديث المناهج التعليمية، وإقرار كتاب تاريخ موحّد، وتعزيز مفهوم المواطنة، تشكّل استثمارًا طويل الأمد في وعيٍ جديد يتجاوز الانقسامات.

كل هذه الخطوات تحتاج إلى مرحلة انتقالية واضحة ومحدّدة زمنًا، تُدار بشفافية وتخضع لتقييم دوري. الإصلاح ليس قرارًا لحظيًا، بل مسارٌ متدرّج يُبنى على الثقة، ويُقاس بالنتائج.

الخلاصة أنّ الطائفية لا تُهزم بخطابٍ ضدها، ولا بإعادة توزيعها داخل مؤسسات الدولة، بل عندما تفقد وظيفتها. وعندما تُصبح الدولة هي المرجعية الوحيدة، والخدمات حقًا، والقانون حكمًا، والكفاءة معيارًا، عندها فقط يسقط النظام الطائفي تلقائيًا.

ولأنّ بناء دولةٍ جديدة لا يمكن أن يقوم على دستورٍ قائم على التوازنات الطائفية، يصبح من الضروري إقرار دستورٍ لبناني جديد، عصري ومدني، يكرّس المواطنة الكاملة، ويُلغي أي توزيع طائفي للمناصب، سواء في السلطات السياسية أو في المواقع الإدارية والعسكرية، بحيث تصبح الكفاءة وحدها معيار تولّي المسؤوليات.

لبنان الجديد لا يولد من تسوياتٍ تُبقي على الانقسام، بل من قرارٍ واضح.. إخراج الدولة من الطوائف، لا توزيع الطوائف داخل الدولة.

وعندما تصبح كلمة “لبناني” وحدها كافية، دون صفة مرافقة، نكون قد بدأنا فعليًا بكتابة فصلٍ مختلف من تاريخ هذا الوطن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى