حين تُستَخدم الحوادث لإشعال الانقسام… زقاق البلاط نموذجاً

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
في الدول التي تحترم نفسها، تعالج الجهات المعنية الحوادث وفق القانون، وتترك للقضاء مهمة تحديد المسؤوليات.
أما عندما تتحول الواقعة إلى مادة للخطاب السياسي، فإن الخطر لا يقتصر على الحدث بحد ذاته، بل يمتد إلى الطريقة التي يعيد بها الخطاب إنتاجه في الوعي العام.
وقد كان من المفترض أن تبقى حادثة زقاق البلاط ضمن إطارها الطبيعي، حيث تعالج الجهات القضائية الواقعة وفق القانون، وتضبط الأجهزة الأمنية مجريات الأحداث، ويحيط خطاب مسؤول بالقضية بما يحد من أي تصعيد أو تأويل خارج سياقها الحقيقي.
يهدّئ ولا يؤجّج. وقد أدّى الحادث إلى إغلاق عددٍ من الشوارعِ الرئيسةِ والفرعيّة، في مشهدٍ عكس حجم التوتر الذي رافق الواقعة.
لكن ما شهدناه كان عكس ذلك تماماً.
بدل أن تتقدّم لغة الدولة، حضرت لغة الطوائف.
وبدل أن تُوجَّه الدعوة إلى الاحتكام للقانون، خرجت أصواتٌ تُحمّل الحدث أبعاداً جماعية
وكأن المطلوب ليس احتواء المشكلة، بل توسيعها.
الأخطر في هذا السلوك، أنه لا يسيء فقط إلى الاستقرار، بل يضرب فكرة العدالة نفسها.
فعندما يُصار إلى تعميم الاتهام، تُمحى الفوارق بين الفرد والمجموعة، ويُستبدل ميزان القانون بمنطق الاصطفاف.
وهنا تبدأ الدولة بالتراجع، ويبدأ الشارع بالتقدّم.
إن أبناء هذه المنطقة، كما سائر اللبنانيين، ليسوا بحاجة إلى من يعرّفهم على القانون
بل إلى من يحمي تطبيقه. وقد أثبتوا في أكثر من مناسبة التزامهم به، رغم كل الضغوط.
وما يستحقونه اليوم ليس خطاباً يُشكّك بهم، بل خطاباً يُحصّن هذا الالتزام ويمنع استغلاله سياسياً.
المسؤولية لا تقع فقط على من ارتكب المخالفة، إن وُجدت، بل أيضاً على من استثمر فيها.
لأن الكلمة، حين تُستخدم بلا مسؤولية، تتحوّل من أداة تعبير إلى أداة تحريض.
وما قيل في بعض المنابر لم يكن توصيفاً لواقع، بل مساهمة في خلق واقع أكثر توتراً.
إن الفتنة لا تبدأ من الشارع، بل من الخطاب.
تبدأ الفتنة عندما يقدّم البعض الانتماء الطائفي على المواطنة، ويستبدلون القانون بالغريزة، ويجعلون التصعيد وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.
في لحظات كهذه، يختبر الواقع معنى المسؤولية السياسية الحقيقية، ويظهر دور السياسي الذي يعمل كرجل دولة يسعى إلى إطفاء الحرائق بدل إشعالها.
أم خطيب أزمة ينفخ فيها كما حصل مع البعض ؟
ما يحتاجه لبنان في هذه الواقعة تحديداً ليس تحليلاتٍ مشحونة، ولا بياناتٍ ملتهبة
بل موقف واضح وبسيط، القانون فوق الجميع، ولا غطاء لأي تجاوز، ولا تبرير لأي تحريض.
المسؤولية الوطنية تقتضي من جميع المعنيين، أفراداً وممثلين، التحلّي بأعلى درجات ضبط النفس
ورفض الانجرار إلى أي خطابٍ تصعيدي، لأن الحفاظ على الاستقرار لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية.
في النهاية، لا تُقاس خطورة الحوادث بحجمها، بل بطريقة تعامل الجهات المختلفة معها.
وما شهدناه لم يكن خطأً في التقدير فقط بل انزلاق الخطاب حوّل حادثةً محدودة إلى شرارة انقسام أوسع.
.