د. فارس قائد الحداد مخاطر سياسة التهجير على جهود السلام وآفاق الحل للقضية الفلسطينية
تُعدّ محاولات تهجير الفلسطينيين من أرضهم واحدة من أخطر التحديات التي تواجه مسار السلام في الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة. فهذه السياسة، إن استمرت أو جرى التعاطي معها كخيار ممكن، لا تهدد فقط مستقبل التسوية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل تتجاوز آثارها حدود الصراع المباشر لتطال أمن واستقرار المنطقة برمتها، بل والأمن الدولي كذلك.
إن خطورة سياسة التهجير لا تكمن في بعدها الإنساني فحسب، رغم فداحة هذا البعد، وإنما في كونها تمس جوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أرض وحقوق تاريخية وقانونية ثابتة. فإعادة إنتاج سيناريوهات الإزاحة القسرية أو الدفع نحو تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، يعني عمليًا تقويض الأسس التي قامت عليها كل مبادرات السلام السابقة، ويعيد الصراع إلى مربعه الأول.
ومن منظور تاريخي، أثبتت التجارب أن سياسات الإقصاء أو فرض الوقائع بالقوة لا تؤسس لاستقرار دائم، بل تولّد دورات متجددة من العنف وعدم الاستقرار. وعليه، فإن استمرار محاولات تهجير الفلسطينيين لن يخدم أي طرف، بما في ذلك إسرائيل، بل سيقوض ما تم بناؤه من اتفاقيات ومعاهدات سلام مع عدد من الدول العربية، ويضع المنطقة أمام احتمالات تصعيد غير محسوبة العواقب.
كما أن الإبقاء على أبواب القضية الفلسطينية مفتوحة دون حل عادل وشامل، سيظل يمثل مصدر توتر دائم في النظام الدولي، خاصة في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط. فالقضية الفلسطينية لم تعد شأنًا محليًا أو إقليميًا فحسب، بل أصبحت قضية ذات أبعاد استراتيجية عالمية، ترتبط بأمن الطاقة، والهجرة، ومكافحة التطرف، والاستقرار الجيوسياسي.
إن أي حل حقيقي ومستدام لا يمكن أن يُبنى على خيارات عسكرية أو إجراءات أحادية، بل على أساس سياسي يستند إلى الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها مبدأ حل الدولتين على حدود عام 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وفق ما تضمنته مبادرة السلام العربية وغيرها من المبادرات الدولية.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة توحيد الموقف العربي، وتعزيز التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لدعم مسار تفاوضي جاد يُعيد الاعتبار لخيار السلام، ويضع حدًا لنزيف الدم المستمر. كما أن إشراك السلطة الفلسطينية والإسرائيليين في عملية تفاوضية حقيقية، قائمة على النوايا الصادقة والضمانات الدولية الملزمة، يُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق تقدم ملموس.
إن السلام لا يُفرض بالقوة، ولا يُصنع عبر التهجير أو تغيير الواقع الديمغرافي، بل عبر الاعتراف المتبادل بالحقوق، واحترام القانون الدولي، والالتزام بمبادئ العدالة والإنصاف. ومن دون ذلك، ستظل المنطقة رهينة أزمات متكررة، وسيبقى الاستقرار هشًا وقابلاً للانفجار في أي لحظة.
إن معالجة مخاطر سياسة التهجير تمثل اليوم اختبارًا حقيقيًا لجدية المجتمع الدولي في حماية قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي دعم حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية. فالخيار ليس بين سلام ناقص وصراع مستمر، بل بين تسوية عادلة تؤسس لاستقرار طويل الأمد، أو استمرار دائرة التوتر التي تهدد الجميع دون استثناء.
د. فارس قائد الحداد
عضو فريق حقوق الإنسان الدولي – منظمة العفو الدولية
صحافي وحقوقي يمني