
إبستين … حين تسقط الأقنعة – غزة … حين تنكشف المعايير – فرعون … حين تتكرر السنن
بقلم /على خليل
أولًا: إبستين… الفضيحة التي لم تكن أخلاقية فقط
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد انحراف فردي داخل مجتمع مترف. كانت كاشفًا لشيء أعمق: شبكة علاقات متشابكة بين المال والسياسة والإعلام والأكاديميا.
الأخطر من الجريمة نفسها كان السؤال: كيف تحرك الرجل لسنوات داخل دوائر النخبة دون مساءلة حاسمة؟
القضية أظهرت خللًا في منظومة يُفترض أنها تقدم نفسها كمرجعية عالمية في الشفافية وسيادة القانون. صحيح أن القضاء تحرك لاحقًا، لكن بقاء تفاصيل كثيرة في دائرة الغموض غذّى شعورًا عالميًا بأن المساءلة ليست دائمًا متساوية عندما تقترب من مراكز النفوذ.
الدرس السياسي هنا لا يتعلق بنظرية مؤامرة، بل ببنية قوة:
حين تتشابك المصالح بين رأس المال والقرار السياسي، تصبح المساءلة معقدة. وحين تتركز المنابر الإعلامية الكبرى في بيئة النفوذ ذاتها، تتشكل رواية عامة تحمي النظام أكثر مما تراجعه.
ثانيًا: غزة… سقوط ادعاء الحياد الأخلاقي
ما جرى في غزة لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة اختبار أخلاقي للنظام الدولي.
الصور القادمة من الميدان اصطدمت بخطاب سياسي منحاز في عواصم كبرى، وكشفت اتساع الفجوة بين المبادئ المعلنة والتطبيق العملي.
الدول التي ترفع شعار حقوق الإنسان وجدت نفسها في موقع الدفاع عن سياسات مثيرة للجدل. مؤسسات دولية يفترض أنها ضامنة للقانون بدت عاجزة أو مقيدة بحسابات الفيتو والتحالفات.
ازدواجية المعايير لم تعد اتهامًا دعائيًا، بل صارت مادة نقاش داخل المجتمعات الغربية نفسها.
هنا يظهر الرابط مع فضيحة إبستين:
في الحالتين، المشكلة ليست في حدث منفصل، بل في ثقةٍ تتآكل.
ثقة في نزاهة النخبة.
وثقة في عدالة النظام.
غزة لم تخلق هذا التآكل، لكنها سرّعته. لقد وضعت المنظومة أمام مرآة لم تستطع التحكم في زاويتها.
ثالثًا: فرعون… النموذج المتكرر للاستعلاء
القرآن لا يذكر قصة فرعون باعتبارها حدثًا تاريخيًا منقطعًا، بل نموذجًا يتكرر كلما اجتمعت السلطة المطلقة مع شعور التفوق والاستغناء عن القيم.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ — العلو ليس جغرافيا، بل استعلاء في المنهج.
فرعون في النص القرآني لم يكن مجرد حاكم قاسٍ، بل صاحب منظومة:
إعلام يُخدّر الجماهير،
نخبة تستفيد من بقائه،
وسلطة تعتقد أن دوامها أبدي.
الربط هنا ليس إسقاطًا حرفيًا، بل قراءة سننية:
كل نظام يعتقد أن قوته المادية تمنحه حصانة أخلاقية يدخل مرحلة الغفلة الاستراتيجية.
وكل قوة تفصل بين الردع والعدل تزرع في داخلها عوامل التآكل.
شبكة واحدة بثلاثة وجوه
-
إبستين كشف هشاشة الداخل.
-
غزة كشفت ازدواجية الخارج.
-
وفرعون يذكّر بسنة التاريخ.
النظام الدولي الأحادي الذي تشكل بعد الحرب الباردة بَنى شرعيته على خطاب القيم. لكن حين تتكرر الأزمات التي تضع هذه القيم في موضع الشك، تبدأ الشرعية في التآكل، حتى لو بقيت أدوات القوة صلبة.
القوة العسكرية قد تفرض واقعًا،
والنفوذ الاقتصادي قد يضغط،
لكن فقدان المصداقية يفتح الباب لتحولات أعمق من أي معركة.
ما لم يُناقش بما يكفي
ليست المسألة في تفاصيل لم تُنشر بعد، بل في سؤال أكبر:
هل تستطيع منظومة متمركزة حول مصالح نخبوية ضيقة أن تحافظ على موقعها في عالم متعدد الأقطاب ومرتفع الوعي؟
الاحتجاجات في جامعات غربية، والنقاشات داخل برلمانات، والتحولات في التحالفات الدولية… كلها مؤشرات على أن الإجابة ليست محسومة.
حين تتحرك السنن
الإسلام لا يرفض القوة، لكنه يقيّدها بالعدل.
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ليست وعدًا عاطفيًا، بل قانون حركة.
الاستعلاء يولد مقاومة.
والازدواجية تولد فقدان ثقة.
وفقدان الثقة يولد تحولات تاريخية.
من إبستين إلى غزة، ومن قصة فرعون إلى واقع اليوم، تتكرر الحقيقة ذاتها:
النظام الذي لا يراجع نفسه أخلاقيًا، يُراجع قسرًا تاريخيًا.
والسؤال الذي يواجه الهيمنة اليوم ليس: كيف ننتصر؟
بل: كيف نبقى شرعيين في نظر العالم؟
المقال التحليلي الذي كُتب:
-
لم يعتمد على “وثائق سرية غير منشورة”.
-
لم يتبنَّ نظريات مؤامرة غير مثبتة.
-
استند إلى وقائع منشورة وتقارير رسمية وأدبيات سياسية معروفة.
-
استخدم الربط التحليلي بين الملفات الثلاثة بوصفه قراءة فكرية، لا تقريرًا استخباراتيًا.
المصادر المرجعية التي يستند إليها التحليل
– “غزة… اختبار صدقية القانون الدولي”
– الحرب على غزة والجدل القانوني
مصادر أساسية:
-
تقارير الأمم المتحدة (مجلس حقوق الإنسان – مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية OCHA).
-
بيانات ومحاضر جلسات مجلس الأمن الدولي.
-
تقارير منظمة العفو الدولية.
-
تقارير هيومن رايتس ووتش.
-
تغطيات وتحليلات في:
-
The Guardian
-
Reuters
-
Al Jazeera
-
زاوية التحليل المعتمد:
قراءة التباين بين الخطاب السياسي الغربي والمواقف القانونية داخل المؤسسات الدولية، وتحليل مفهوم “ازدواجية المعايير” من منظور سياسي لا دعائي.
-
وثائق قضائية أُفرج عنها عام 2024 في قضايا مدنية مرتبطة بالقضية.
-
كتاب الصحفي جيمس باترسون Filthy Rich (توثيق صحفي لمسار القضية).