من يكتب عن الصحفيين؟ بقلم / ياسر السجان

الصحفيون هم أكثر الناس حديثًا عن هموم المجتمع، وأقلهم حديثًا عن همومهم الشخصية. يكتبون يوميًا عن السياسة وتقلباتها، وعن الرياضة وأزماتها، وعن الفن وأخباره، وعن الاقتصاد وأرقامه الثقيلة، وعن الفساد حين يظهر، وعن الرشوة حين تُكشف، وعن الأزمات حين تضرب هذا القطاع أو ذاك. لكنهم، في خضم هذا كله، نادرًا ما يكتبون عن واقعهم هم.

ليس لأن واقعهم بلا معاناة، بل ربما لأن معاناتهم أكبر من أن تُختصر في سطور. فالكثير من الصحفيين لا يعيشون على راتب ثابت يكفي احتياجاتهم الأساسية، وبعضهم لا يتقاضى راتبًا من الأصل بالمعنى التقليدي. لذلك يعملون في أكثر من مكان، ويجمعون بين مهام متعددة، ويطاردون الفرص هنا وهناك، فقط ليتمكنوا من الوفاء بالتزامات الحياة.

الصحفي يبيع فكرته، يبيع مجهوده، يبيع وقته، لكنه لا يبيع كرامته. قد يختلف مع مؤسسته، وقد يختلف مع سياسات التحرير، وقد يختلف مع مسؤول هنا أو هناك، لكنه في النهاية يحاول أن يتمسك بخيط رفيع اسمه المهنية. ومع ذلك، يبقى السؤال المؤجل: لماذا لا يتحدث الصحفيون عن أوضاعهم كما يتحدثون عن أوضاع الآخرين؟

ربما لأن طبيعة المهنة تفرض عليهم أن يكونوا في موقع الراصد لا المرصود، وأن ينشغلوا بقضايا الناس أكثر من انشغالهم بأنفسهم. وربما لأن الحديث عن الرواتب والظروف المعيشية يبدو، في ثقافة بعض المؤسسات، وكأنه خروج عن الدور التقليدي للصحفي. لكن الحقيقة أن الصحفيين، مثلهم مثل أي فئة مهنية أخرى، يحتاجون إلى بيئة مستقرة تضمن لهم الحد الأدنى من الأمان المادي حتى يستطيعوا أداء رسالتهم باستقلالية وموضوعية.

كيف نطلب من الصحفي أن يكون عين المجتمع الساهرة، وهو منشغل بتأمين احتياجاته الأساسية؟ وكيف نطالبه بكشف الفساد، إذا كان هو نفسه يشعر بأن صوته في قضاياه المهنية لا يجد من يسمعه؟ إن قوة الصحافة لا تنفصل عن قوة الصحفي، واستقرار المؤسسات لا ينفصل عن استقرار من يعملون بها.

الصحفيون ليسوا مجرد ناقلي أخبار، بل هم صانعو وعي. وإذا كان المجتمع يحتاج إلى صحافة قوية ومسؤولة، فإنه يحتاج كذلك إلى صحفي يعيش بكرامة، ويعمل في ظروف تليق بقيمة ما يقدمه. فحكايات الناس التي تُروى كل يوم في الصحف والمواقع، تستحق أن يروي أحد، ولو لمرة، حكاية من يكتبها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى