الناشطة الحقوقية مني عبدالغفار خليفة – تكتب : جمال عبد الناصر.. إرث تاريخي بين العظمة والتحديات

يمثل جمال عبد الناصر علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، ليس فقط كقائد سياسي، بل كصانع نهضة شاملة امتدت إلى مختلف ميادين الحياة الاقتصادية، الاجتماعية، التعليمية والثقافية. ورغم مرور أكثر من نصف قرن على رحيله، يبقى تقييم إرثه قضية شائكة تتراوح بين الإعجاب بعطائه الوطني والانتقادات المتعلقة بأسلوب حكمه والسياسات الداخلية.

 *1. الرؤية الوطنية والتعليمية*

لقد أولي عبد الناصر التعليم أهمية غير مسبوقة في تاريخ مصر، إذ جعل التعليم العالي مجانياً، وفتح أبواب كليات الطب، الصيدلة، طب الأسنان، الهندسة، والعلوم للطلاب المصريين دون التمييز بين طبقات المجتمع. هذه السياسة كانت بمثابة قفزة هائلة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، حيث مكنت الطلاب من الفئات المتوسطة والفقيرة من الوصول إلى أعلى مستويات التعليم الأكاديمي والمهني.

لم يقتصر اهتمامه على التعليم الجامعي، بل شمل التعليم الديني والأزهري، فشهدت تلك الحقبة زيادة كبيرة في عدد المعاهد الأزهرية داخل مصر وخارجها، وابتعاث خريجيها للدراسة في جامعة الأزهر والدول العربية والإسلامية، مما عزز مكانة مصر كمركز علمي وثقافي في العالم الإسلامي.

كما أنشأ مدينة البعوث الإسلامية لإيواء الطلاب الأجانب، لتوفير بيئة تعليمية متكاملة، تشمل التعليم الأساسي لأسرهم.

 *2. النهضة العلمية والعملية*

على الصعيد العملي، أحدثت السياسات الناصرية طفرة في التعليم العلمي والتقني.

فقد أسس عبد الناصر كليات عملية لأول مرة في مصر، شملت الطب والهندسة والعلوم والزراعة، لخدمة احتياجات المصانع والشركات والمستشفيات والوحدات الصحية، مما ساهم في بناء قاعدة متخصصة من الأطباء والمهندسين والعلماء.

ومن أبرز إنجازاته إنشاء جامعة أسيوط عام 1956، كأول جامعة إقليمية تضم كليات الطب والهندسة والعلوم والزراعة، لتعزيز التعليم العالي في المحافظات.

 *3. الإعلام والدبلوماسية الثقافية*

شهدت فترة حكم عبد الناصر تطوراً نوعياً في الإعلام، حيث ازدهرت إذاعة القرآن الكريم و”صوت العرب”، التي رسخت حضور مصر عربياً ودولياً، وعززت مكانة الدولة كمرجعية ثقافية وفكرية.

كما لعب دوراً محورياً في دعم حركات التحرر الوطني في الدول العربية والأفريقية وأمريكا الجنوبية وجنوب آسيا، بالإضافة إلى تأسيسه لاتحاد دول عدم الانحياز، ما منح مصر حضوراً دبلوماسياً مؤثراً في الساحة الدولية.

 *4. التوجهات السياسية والاشتراكية* 

لقد اتسمت سياسات عبد الناصر بالاشتراكية، مع ميل واضح نحو الاتحاد السوفييتي، ليس فقط كخيار أيديولوجي، بل كاستراتيجية عملية لدعم مشاريع التنمية والبنية التحتية، بعيداً عن النظم الاستعمارية التي كانت تستغل خيرات الدول المحتلة.

كما أن نظامه لم يكن استعمارياً مثل الأنظمة الغربية، التي فرضت هيمنتها واستمرت في تمييز الأفارقة والشرقيين.

 *5. مواجهة الاستعمار الداخلي والخارجي* 

لم يكن عبد الناصر يواجه تحديات خارجية فحسب، بل واجه كذلك القوى الداخلية، بما في ذلك رجال الملكية السابقة والأمراء والباشوات، والأقطاع، بالإضافة إلى أجهزة التجسس والعملاء.

إن هذه البيئة المعقدة من الضغوط الداخلية والخارجية تجعل تقييم فترة حكمه أكثر تعقيداً، فهي فترة ازدادت فيها محاولات النيل من سيادة الدولة، لكنه رغم كل ذلك استطاع أن يحقق إنجازات ملموسة على الأرض.

*6. العدالة الاجتماعية والمساواة* 

العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين كانت من أبرز ركائز عهد عبد الناصر.

فقد أتاح النظام الفرصة للمصريين العاديين للوصول إلى التعليم والخدمات الصحية والوظائف الحكومية، في ظل مجتمع كان يسوده التمييز بين طبقات الأغنياء والطبقات الشعبية، قبل ثورة يوليو 1952.

ومن خلال هذه السياسات، تمكن أبناء الفئات المتوسطة والفقيرة من الحصول على تعليم جامعي عالي الجودة والعمل في وظائف رسمية مستقرة، وهو إنجاز قلّ أن تجده في فترات لاحقة.

 *7. الثقافة والفنون* 

شهدت مصر في عهده نهضة ثقافية غير مسبوقة، تضمنت ازدهار الأدب والفن والإعلام والسينما والمسرح.

وقد أسهم ذلك في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الفكر العربي والإسلامي، بما لم تشهده البلاد في أي فترة لاحقة بنفس الزخم والتأثير.

 *8. الخلاصة: الزعامة والإنجاز* 

يظل الزعيم جمال عبد الناصر شخصية محورية في تاريخ مصر، جمع بين الشجاعة السياسية، الرؤية الوطنية، والقدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية في سن مبكرة، إذ قاد الثورة وعمره 34 عاماً، وتوفي عن عمر 52 عاماً، تاركاً إرثاً عظيماً في المجالات التعليمية والثقافية والسياسية والاقتصادية.

ومع كل الانتقادات الموجهة له، يظل عهده فترة محورية في مسيرة مصر الحديثة، جسدت معنى الجدارة، الالتزام الوطني، والسعي نحو العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى