
من يخرج عن واشنطن يُحاكم… ومن يقتل معها يُحمى
حين تقرر واشنطن من هو «المجرم»، لا تنظر إلى عدد الضحايا بل إلى موقعه من خريطة الطاعة. نيكولاس مادورو مُلاحَق لأن فنزويلا خرجت عن السطر، بينما بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم حرب موثقة، يتحرك بحرية لأنه داخل التحالف. القانون الدولي هنا لا يعمل، بل يُستدعى أو يُجمَّد بقرار سياسي. ما تفعله الولايات المتحدة ليس ازدواجية معايير، بل هندسة متعمدة للعدالة: خصومها يُحاكمون، وحلفاؤها يُحصَّنون، مهما بلغ حجم الجريمة أو وضوحها.
حيث ارتفع عدد القتلى الفلسطينيين في غزة منذ بداية الحرب حتى نهاية 2025 إلى حوالي 70,942 شخصًا، بينهم 18,592 طفلًا و12,400 امرأة، وفق وزارة الصحة في القطاع، بينما يموت المئات من الجوع ونقص الدواء بسبب حصار أمريكي–إسرائيلي متعمد وإغلاق المعابر، من بينهم 112 طفلًا قضوا جوعًا فقط. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من مليون طفل فقدوا وصولهم للمساعدات الأساسية، ما يعكس كارثة إنسانية متكاملة بفعل قرار سياسي مدروس.
الفرق بين مادورو ونتنياهو ليس في حجم الجريمة، بل في موقع التحالف. الأول خارج المظلة الأمريكية فصار «مطلوبًا»، والثاني داخلها فصار «فوق القانون». هذه ليست ازدواجية معايير عابرة، بل نظام دولي تُديره واشنطن بمنطق القوة: من يقتل معنا بريء، ومن يختلف معنا مجرم.
في غزة، لا روايات متضاربة ولا «ضباب حرب». هناك قتل واسع، تجويع، تدمير منهجي، واستهداف للمدنيين، وكل ذلك تحت مظلة أمريكية كاملة. تصريحات أنجلينا جولي لم تأتِ من ناشطة غاضبة، بل من شاهدة قالت بوضوح إن غزة تُترك لتُباد وسط صمت دولي مخزٍ. هذا الصمت ليس عجزًا، بل اختيار.
الغرب يعرف ما يحدث، ويراه، لكنه يقرر ألا يرى، لأن الإدانة ستصيب حليفًا لا يجوز المساس به. هكذا تتحول حقوق الإنسان إلى خطاب، والعدالة إلى أداة ضغط، ويصبح القاتل «رجل دولة» طالما يقتل في الاتجاه الصحيح.
رغم هذه المذبحة الممنهجة، يتنقل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بحرية كاملة، محميًا بالفيتو الأمريكي والدعم العسكري والسياسي من إدارة ترامب، بينما يُعطّل القانون الدولي ويُحوّل إلى أداة انتقائية ضد خصوم واشنطن فقط. الفرق واضح: مادورو يلاحَق ويُستهدف بسبب موقفه من واشنطن، ونتنياهو يقتل عشرات الآلاف تحت الغطاء نفسه ويصبح فوق القانون، في واحدة من أكثر مظاهر ازدواجية المعايير الصادمة في القرن الحادي والعشرين.