على خليل يكتب : صوماليلاند .. مناورة نتنياهو الأخيرة للهروب من الفشل

وحدات الجيش المصري وحضورها الاستراتيجي تجعل أي محاولة لتغيير الوضع مكلفة ومحاصرة من كل جانب.
لم تأتِ أزمة «صوماليلاند» من فراغ، ولم تُلقَ فجأة في وجه مصر كصاعقة غير متوقعة، بل هي نتاج تراكمات طويلة من الإهمال وسوء التقدير في ملفات إقليمية جرى التعامل من انظمة سابقة معها لسنوات باعتبارها بعيدة أو هامشية، قبل أن تتحول إلى أوراق ضغط مباشرة على الأمن القومي. ما تواجهه مصر اليوم ليس خطأ حكومة واحدة بقدر ما هو فاتورة تأجيل قديم، لم تُدفع في وقتها، فتضاعفت كلفتها سياسيًا وإقليميًا.
في هذا السياق، جاء اعتراف بنيامين نتنياهو بـ«صوماليلاند» كخطوة سياسية استعراضية بلا قيمة قانونية حقيقية، لكنها محمّلة برسائل ضغط. نتنياهو، المحاصر داخليًا بفشل مشروع تهجير الفلسطينيين، والمنهك بتراجع شعبيته وتهديده بالملاحقة والحبس، احتاج إلى إنجاز خارجي سريع يعيد تجميع أنصاره قبل انتخابات قادمة لا تبدو مضمونة. فاختار ملفًا هشًا، وإقليمًا منسيًا، واعترافًا يعلم قبل غيره أنه لا يغير خرائط ولا يصنع دولة.
اللافت أن هذا الاعتراف، رغم ضجيجه الإعلامي، يصطدم بواقع صلب على الأرض: القرن الإفريقي ليس فراغًا استراتيجيًا، ومصر ليست غائبة عنه كما يتصور البعض. وحدات من الجيش المصري، وتحالفات إقليمية قائمة، وانتشار أمني محسوب، تجعل أي محاولة لفرض أمر واقع جديد محاصَرة من كل اتجاه. ما يفعله نتنياهو هو اللعب على باوراق محروقة، لا تغيير موازين القوى.
ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا تريد إسرائيل من صوماليلاند؟
بل: لماذا تُترك بعض الملفات حتى تتحول إلى منصات ابتزاز سياسي؟
وإلى أي مدى يمكن الاستمرار في إدارة الازمات بمنطق ردّ الفعل، لا المبادرة؟
هذه ليست معركة حدود، بل معركة سيادة ووعي واستباق… وهي أخطر من أي مواجهة عسكرية مباشرة.
لكن الخطورة الحقيقية في ملف «صوماليلاند» لا تكمن في الاعتراف الإسرائيلي ذاته، بل في توقيت الاعتراف ومنطق استخدامه. نحن أمام محاولة واضحة لإعادة تدوير النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا من بوابة الفوضى، لا من بوابة التنمية أو الشرعية. إسرائيل لا تبني دولًا، بل تبني أزمات قابلة للبيع السياسي، تستخدمها كورقة مساومة مع قوى إقليمية كبرى، وعلى رأسها مصر.
نتنياهو يعرف جيدًا أن «صوماليلاند» لا تملك اعترافًا دوليًا، ولا مقعدًا في الأمم المتحدة، ولا شرعية قانونية. لكنه يدرك في المقابل أن الرسالة أهم من النتيجة: رسالة تقول إن إسرائيل قادرة على العبث بالخاصرة الإفريقية لمصر، وأنها تستطيع فتح جبهات سياسية رمزية لإرباك الحسابات، حتى لو كانت بلا قيمة عملية.
غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقائق لا يمكن القفز فوقها. فمصر، رغم كل ما يُقال عن تراجع الدور أو انشغال الداخل، ليست دولة بلا عمق. البحر الأحمر، وباب المندب، والقرن الإفريقي، ليست مساحات مفتوحة للمغامرة. هناك وجود عسكري محسوب، وشراكات إقليمية قائمة، وعلاقات تاريخية تجعل أي محاولة لاختراق التوازن مكلفة أكثر مما يحتملها لاعب مأزوم مثل نتنياهو.
ومع ذلك، لا يجوز الاكتفاء بالاطمئنان إلى القوة الصلبة وحدها. فالأزمة تكشف مرة أخرى عن ثغرة مزمنة في إدارة الملفات الإفريقية: التأجيل، ضعف الاستثمار السياسي طويل الأمد، وترك بعض الساحات حتى تتحول إلى منصات نفوذ للآخرين. ما يحدث اليوم هو تذكير قاسٍ بأن الأمن القومي يُدار بالحضور المبكر، والاقتصاد، والتعليم، والدبلوماسية الذكية.
إسرائيل تتحرك في إفريقيا ليس لأنها أقوى، بل لأنها أكثر جرأة على الفراغ. تملأ المساحات التي تُترك، وتستثمر في الهشاشة، وتعرض خدمات أمنية واقتصادية مشروطة، ثم تحوّلها لاحقًا إلى أوراق ضغط سياسية. هذه ليست عبقرية، بل انتهازية مدروسة.
أما مصر، فالتحدي الحقيقي أمامها اليوم ليس إسقاط اعتراف بلا قيمة، بل تحويل هذه اللحظة إلى نقطة مراجعة:
مراجعة لفكرة أن بعض الملفات “بعيدة”،
ومراجعة لمنهج إدارة الجوار الإفريقي،
ومراجعة أخطر لفلسفة الاكتفاء بإطفاء الحرائق بدل منع اشتعالها.
اعتراف إسرائيل بـ«صوماليلاند» لن يصنع دولة، ولن يغيّر خرائط، ولن يكسر توازنًا إقليميًا. لكنه يكشف شيئًا أهم: صراع الإرادات في المنطقة لم يعد عسكريًا فقط، بل سياسيًا ونفسيًا واستباقيًا.
إما أن تُدار السيادة بمنطق المبادرة وبناء النفوذ الحقيقي،
أو تُستنزف في معارك جانبية يفرضها الآخرون في التوقيت الذي يختارونه.
وهنا، يصبح ملف «صوماليلاند» ليس أزمة عابرة،
بل جرس إنذار أخير:
إما الحضور الكامل… أو دفع ثمن الغياب مؤجلًا، لكنه مضاعف.