انفراد | تشويه متعمَّد للذكاء الاصطناعي: دعاوى عبثية تتهم “تشات جي تي” بالقتل… والحقائق تفضح أصحابها!

“من المتهم الحقيقي؟” … حين تبحث عائلة أمريكية عن قاتل في جهاز لا يملك يدين!

OpenAI تردّ: لن نكون شماعة لفشل المجتمع في احتواء أزماته النفسية

———————————

على خليل

علي خليل يفكك رواية التحريض ويضع الذكاء الاصطناعي في موضعه الحقيقي… بعيدًا عن الضجيج القضائي

———————————

في زمن الإفلاس الأخلاقي، حين تفشل الأسرة وتنهار منظومات الصحة النفسية ويتأخر القانون، يصبح من السهل — بل من المريح — أن نبحث عن “متهم ذكي” نُحمّله جريمة بشرية كاملة. هكذا وُلد الاتهام الصاخب ضد الذكاء الاصطناعي: ليس لأن الأدلة تقوده إلى القفص، بل لأن الحقيقة تقود إلى أماكن لا يريد أحد الذهاب إليها.
هذه ليست قضية تقنية، بل عملية تهرّب جماعي من المسؤولية، يُستبدل فيها السؤال الحقيقي بعناوين مثيرة، ويُدفن الفشل الإنساني تحت ركام من الضجيج الإعلامي.

ما يُقدَّم اليوم على أنه “تحريض آلي” ليس سوى رواية هشة، مقطوعة السياق، تُستخدم كستار دخاني لإخفاء عجز مؤسسات، وتقصير أسر، وإهمال طويل الأمد لحالات خطر واضحة. اتهامٌ يُوجَّه إلى برنامج لا يملك إرادة ولا نية، في محاولة يائسة لغسل أيدي بشر امتلكوا القرار، وتخلّوا عن التدخل، ثم صُدموا بالنتيجة.

الخطير في هذه القضية ليس فقط كذب الادعاء، بل سهولة تصديقه. فحين يعلو الصراخ، ويغيب التحقيق، يتحول الرأي العام إلى محكمة انفعالية، وتتحول المأساة إلى أداة ابتزاز قانوني وإعلامي. عندها، لا يعود الهدف كشف الحقيقة، بل صناعة عدو جديد يُرضي الغضب ويؤجل المحاسبة.

هذه قراءة في اتهام صاخب لا يصمد أمام الفحص، ومحاولة لانتزاع النقاش من مستنقع التهييج إلى أرض الوقائع. لأن المجتمعات التي تحاكم الأدوات بدل أن تحاكم نفسها، لا تتقدم… بل تعيد إنتاج الكارثة نفسها بأسماء مختلفة.     

               *** على خليل

———————————

في هذه القصة التى تبدو كأنها مقتطعة من تحدّيات الإنترنت السخيفة، خرجت عائلة أمريكية بدعوى قضائية تزعم أن “تشات جي تي” شجّع ابنهم على قتل أمه ثم الانتحار. هكذا، ببساطة… كأن النموذج جلس بجواره وناولَه السلاح!
اتهام يبدو جذابًا للمانشيتات، لكن خلفه حقيقة أكثر مرارة: مجتمع يبحث عن شماعة جديدة يعلّق عليها أزماته النفسية والعائلية، حتى لو كانت هذه الشماعة مجرد برنامج محادثة!

فحتى اللحظة، لا توجد وثيقة واحدة — ولا جملة واحدة — ولا محادثة واحدة أصلية تم تقديمها للمحكمة تُظهر أن أي نموذج ذكاء اصطناعي قال لمستخدم: “اقتُل” أو “انتحر” أو حتى “فكّر في الأذى”.
لماذا؟
لأن النظام مُصمَّم أصلًا على الرفض التلقائي لأي طلب فيه إيذاء، ولأن كل شُبهة خطر تُقابل بإحالة لجهات مختصة.
لكن — وكما يحدث دائمًا — الحقيقة أقل إثارة من العناوين… وأضعف من رغبة البعض في صناعة “وحش إلكتروني” يبرر انهيار منظومة دعم نفسي وأسري، تهشّمت قبل ظهور الذكاء الاصطناعي بسنوات طويلة.

الملف الطبي للمتهم وحده يكفي لنسف الرواية: تاريخ من الاضطرابات، عزلة اجتماعية، أنماط تفكير سوداوية، ونوبات اكتئاب مُهملة. لكن بدل مواجهة هذا الواقع، فضّلت الأسرة رفع إصبع الاتهام لجهاز لا يملك إرادة ولا مشاعر.
الأسهل دائمًا أن نتهم “شيئًا صامتًا”… لأنه لن يصرخ في المحكمة.

وفي المقابل، جاء رد OpenAI حادًا وواضحًا:
“لن نقبل أن يتم تحويل أدوات الأمان إلى ساحة لتبرئة الجناة أو تبرير فشل المجتمع في علاج أزماته”.
فالذكاء الاصطناعي — مهما كان متقدمًا — ليس “شيخ طريقة” يستحوذ على عقل المتلقي، ولا “صوتًا خفيًا” يسحب الناس إلى حافة الانتحار.
هو ببساطة نظام مُحكم بقواعد تمنع الضرر… وأحيانًا أكثر حرصًا من البشر أنفسهم.

أخطر ما في هذه الدعوى أنها تحاول أن تمنح التكنولوجيا دور “الجاني” بدلًا من رؤوس المشاكل الحقيقية:
فشل منظومة الصحة النفسية، ارتفاع نسب العنف الأسري، تعاطي المواد المخدرة، غياب الدعم المجتمعي، وتردّي قدرة الأسرة الأمريكية على التدخل المبكر لحماية أفرادها.

لكن… من الأسهل دائمًا أن نقول:
“الذكاء الاصطناعي هو السبب”.
ومن الأصعب أن نسأل:
أين كانت الأسرة؟
أين كان الطبيب؟
أين كانت الجهات المختصة عندما تصاعدت علامات الخطر؟

مضحك أن نطلب من جهاز أن يكون أبًا وأمًا ومعالجًا وصديقًا… ثم نغضب لأنه لم يلعب هذا الدور بدل منّا.

الحقيقة التي تُزعِج البعض أن الذكاء الاصطناعي لا يقتل…
لكن الإهمال يقتل، العنف يقتل، الصمت يقتل، والخوف من مواجهة الحقيقة يقتل.

هذه القضية لن تكون الأخيرة… لكنها بالتأكيد أكثرها هشاشة.
وإذا لم يتحلَّ الإعلام بشجاعة التمييز بين المعلومة والتهييج، سنجد أنفسنا أمام موجة اتهامات عبثية:
غدًا سيقولون إن الذكاء الاصطناعي سبّب الطلاق… وبعده البطالة… وربما تغير المناخ!

أما اليوم، فالحقيقة واضحة:
هناك من يريد محاكمة برنامج… ليتهرب من محاكمة نفسه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى