علي خليل يفجر القضية : كم امرأة يجب أن تُقتل… حتى يفهم المجتمع أن الصمت جريمة؟!!

قولى “لا” قبل أن تتحولى إلى اسم جديد في صفحة الوفيات

على خليل
على خليل

وحتى يتحرك الضمير العام، سيبقى السؤال الأكثر إيلامًا بلا إجابة:
كم امرأة يجب أن تُقتل… حتى يفهم المجتمع أن الصمت جريمة؟

في كل يوم، وفي قرى ونجوع وعمارات مكتظة، تُقتل امرأة بصورة أو بأخرى. تُقتل بالسكين أحيانًا، وبالضرب المتكرر كثيرًا، لكنها في الحقيقة تُقتل قبل ذلك بسنوات طويلة:

= حين تُحرم من التعليم، حين تُسلب ثقتها بنفسها،

= حين يُقال لها منذ طفولتها إن “الرجل يحق له ما لا يحق لها”،

= وحين تصمت أمها وجدتها عن قسوة الأب والزوج، واجبارها على الاستمرار وعدم طلاقها لا الطلاق من وجهة النظر غالبا عيب وفضيحة (الناس تقول اي فلانة بنت فلان اتطلقت لاء مايصحش)

**خليكي كده مضروبة – مسروقة – متهانة – ليس لكى اى قيمة الا عندما يريدك بجواره **

فيتحول الألم إلى إرث تتوارثه النساء جيلًا بعد جيل. لا شيء في هذا المشهد عابر، ولا شيء فيه “حادثة فردية”. ما يحدث للنساء خصوصًا غير المتعلمات.. ليس عنفًا منزليًا… بل نظام اجتماعي كامل يُبنى على إذلالهن وخنق أصواتهن.

في بيوت كثيرة، المرأة ليست شريكة حياة؛ هي عاملة بلا راتب، وخادمة بلا تقدير، وصوتها محظور، وحقوقها مؤجلة إلى أجل غير مسمّى. وحين تكون غير متعلمة، يصبح ضعفها مضاعفًا. لا تعرف أين تتوجه لو تعرضت للعنف، لا تعرف كيف تُحرّر محضرًا، لا تقرأ ورقة تضطر للتوقيع عليها، لا تفهم قانونًا وُجِّه أصلاً لطبقة تستطيع الوصول إليه، ولا تعرف سوى أن البيت يجب أن يظل قائمًا مهما انهارت هي داخله. كل هذا يجعلها أسهل هدف لرجل يعرف تمامًا أنها لا تملك أدوات دفاع، ولا ظهرًا قانونيًا، ولا سلطة اجتماعية.

والرجل الذي يضرب عادة ليس مجنونًا ولا خارج السيطرة كما تدّعي البلاغات الأولى. هو يعرف جيدًا ما يفعله.

 – يعرف أين يضرب،

  • ومتى،
  • وكيف يخوّفها كي لا تتكلم،
  • وكيف يطمئن نفسه بأن “الجيران مش هيدخلوا، وأهلها هيكسفوا، والشرطة مش هتعبرحد ”. يعرف أن المرأة التي أمامه—لأنها لم سندها يخاف ان يقال ان ابنته تطلقت !!!!!
  • ، ولأن المجتمع أخبرها أن الطلاق عار، وأن البيت أهم من حياتها
  • ستتحمل. ي
  • عرف أن الضرب سيُغطّى بالتصالح أمام العائلة،
  • وأن التهديد سيبقى في إطار “أسرار البيت”،
  • وأن كلمات مثل “عيب” و“استحملي” و“مفيش بيت من غير خناقات” وستدفن كل صرخة جديدة. … وكما قالت زميلاتنا هالة الدسوقى فى مقال لها .. (استحملى عشان العيال) !

والحقيقة القاسية أن المجتمع نفسه يشارك في الجريمة؛ الجيران الذين يسمعون الصراخ يقولون “مانحبّش نتدخل”. الأقارب يرون الكدمات في يدها ورقبتها ويقولون: “كل الستات بتتضرب”. الأم التي يجب أن تحمي ابنتها، تغلق الباب وتقول: “استحملي عشان العيال”. هكذا يتحول العنف من فعل فردي إلى فعل جماعي: رجل يضرب… ومجتمع كامل يوفر له غطاء حماية.

ورغم أن الدولة تمتلك قوانين ومؤسسات، فإن النساء البسيطات يواجهن جهازًا بيروقراطيًا معقّدًا لا يعرف كيف يتعامل مع امرأة ان كانت متعلمة او لم تدخل مدرسة أصلًا. امرأة بالكاد تفهم لهجة الضابط، ولا تفهم معنى “تقرير طبي”، ولا تعرف لماذا يطلبون منها “إثبات الضرر” وهي تحمل على جسدها علامات الضرب بشكل يومي. و غالبًا، حين تصرخ الزوجة خوفًا، ترد بعبارة قاتلة: “روّحي بيتك، مفيش حد هتتحكم بينك وبين جوزك”. بل إن البعض اينصحونها بعبارة أكثر سُمًّا: “اعمّليله الأكل وهديه… بكرة يهدا”. لا أحد يشرح لها أنها من حقها حماية قانونية. لا أحد يأخذ يدها لتقديم شكوى حقيقية. لا أحد يحميها من الموت البطيء.

والمخدرات؟ هي شريك متكرر. شاي بالمعسل المخلوط، حبوب، بودرة، حشيش… جوزة – كلها تحوّل الزوج إلى كتلة غضب جاهزة للانفجار. ويكفي أن يرى قطعة ملابس “مش مترتبة” أو يسمع كلمة عابرة من زوجة مرهقة ترفض ان تعطيه ذهبها او ميراثها لتتحول الليلة إلى كابوس. وفي كل مرة، تبتلع الزوجة الألم وتتظاهر أنها بخير حتى لا تُتهم بأنها “سبب المشاكل”.

والأكثر صدمة أن النساء غير المتعلمات غالبًا يُجبَرن على توقيع أوراق لا يعرفن محتواها: تنازلات، إقرارات، محاضر صلح مزوّرة. كثيرات يخرجن من القسم وهنّ مقتنعات بأن “القانون ضدهن”، لأن أحدًا لم يشرح لهن شيئًا. وفي الغالب، لا يملكن ثمن محامٍ، ولا يملكن الوصول لمنظمات مجتمع مدني، ولا يملكن حتى الجرأة على طلب الدعم.

لكن رغم كل هذا السواد، هناك حقيقة واحدة يمكن أن تنقذ حياة هذه النساء: الهروب المبكر. المرأة غير المتعلمة لا تحتاج لفهم القوانين لتنجو، تحتاج فقط لفهم أنها في خطر. أول الطريق ليس الشكوى، بل النجاة الجسدية: أن تخرج من البيت فورًا إلى مكان آمن، أن تقول الحقيقة لأي امرأة تثق بها، أن تجمع أي دليل—صورة، تسجيل، شهادة..حتى لو لم تعرف أهميته القانونية. أن تذهب للمستشفى حتى لو كانت العلامة بسيطة وتصرّ أن يُكتب في التقرير أن “زوجي هو الذي ضربني”، لأن هذه الجملة وحدها ستغيّر مسار القضية إن حدث لها شيء لاحقًا.

النجاة أيضًا تحتاج إلى دائرة نساء قويات حولها: أم، أخت، جارة، قريبة. النساء اللواتي ينجون من العنف لا ينجون بقوتهن فقط، بل بقوة امرأة أخرى قررت ألا تصمت. المجتمع الذي ينقذ النساء ليس مجتمعًا قويًا… بل مجتمعًا يسمع.

ورغم أن قوانين الحماية ما زالت ضعيفة، فإن الضغوط الاجتماعية أقوى من أي قانون. لهذا، يجب أن يتغير وعي الجيران، ووعي الأسر، وأن يدرك المجتمع كله أن السكوت ليس حيادًا… بل مشاركة في الجريمة. يجب أن تتوقف فكرة أن المرأة “ملك” الرجل، وأن البيت أهم من حياتها، وأن الضرب “تفاصيل عائلية”. لأن كل امرأة تُقتل لم تمت وحدها؛ قتلها صمت أمها وابيها، وتخاذل أسرتها، وسلبية الجيران، وبطء الشرطة، وثقافة كاملة تعطي الرجل ترخيصًا مفتوحًا للتحكمبالزوجة كيفما يريد .

المرأة المغلوبة على امرها ليست ضعيفة لأنها لا تعرف حقوقها … بل لأنها تركت وحدها في معركة غير عادلة. وفي النهاية، النجاة ليست مجرد خطوة، بل قرار مفصلي: أن تقول “لا” قبل أن تتحول إلى اسم جديد في صفحة الوفيات. وإذا لم يعترف المجتمع بأنه شريك في قتل النساء، فلن يتوقف هذا النزيف مهما تغيّرت القوانين.

وحتى يتحرك الضمير العام، سيبقى السؤال الأكثر إيلامًا بلا إجابة:
كم امرأة يجب أن تُقتل… حتى يفهم المجتمع أن الصمت جريمة؟
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى