
محمد كشك يكتب: المقاولون العرب… هرم مصر الرابع
إذا ذُكر اسم مصر، تقفز إلى الذهن فورًا الأهرامات الخالدة، ونيلها العظيم، ومعابد الكرنك، وقناة السويس… علامات كبرى صنعت هوية هذا الوطن عبر آلاف السنين. لكن بعد التاريخ العريق، جاء صرح آخر ليكمّل مسيرة البناء: شركة المقاولون العرب، التي أصبحت بحق هرم مصر الرابع، وواحدة من أهم أيقونات الصناعة الوطنية.
منذ تأسيسها عام 1955 على يد كبير البنّائين المهندس عثمان أحمد عثمان، انطلقت الشركة في رحلة بدأت بمدرسة صغيرة في مدينة الإسماعيلية، وانتهت بانتشارها على خريطة العالم العربي والأفريقي. بدأها عثمان كمهندس شاب يحمل حلمًا كبيرًا، فتحولت خلال عقود إلى الذراع الأقوى للدولة المصرية في كل عمليات البناء والتشييد الضخمة.
من بناء السد العالي في أسوان، ذلك الإنجاز الذي غيّر وجه مصر، إلى المشاركة الفاعلة في معارك حرب أكتوبر عبر تصنيع خراطيم الاندفاع المائي المستخدمة في هدم خط بارليف، والمساهمة في بناء حائط الصواريخ… كانت المقاولون العرب دائمًا في قلب لحظات مصر الفاصلة.
ثم انطلقت الشركة شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، حاملة اسم مصر إلى عشرات الدول العربية والأفريقية:
السعودية، الإمارات، الكويت، الجزائر… وغيرها من الدول التي تركت فيها بصمتها العمرانية. حتى أصبح وجود مقر المقاولون العرب في دولة أفريقية بمثابة “سفارة مصرية” غير رسمية.
وفي الداخل، لم تتوقف الشركة عن صناعة الحاضر. شيدت كباري وأنفاقًا وطرقًا من أعلى مستوى، وأنشأت مدنًا زراعية كاملة مثل الصالحية والخطارة، وأسهمت في إعادة تشكيل الجغرافيا الحديثة لمصر.
هذا الدور غير المسبوق جعل المقاولون العرب نموذجًا مصريًا يُحتذى به على المستوى الإقليمي والدولي، وفتح أمامها أبواب الجوائز المحلية والعالمية. لكن تبقى الجائزة الأهم: حب المصريين والعرب والأفارقة لهذا الكيان الوطني.
ومع الاحتفال بمرور سبعين عامًا على تأسيس هذا الصرح، تعود الذاكرة إلى رجال حملوا شعلته عبر العقود:
المهندس صلاح حسب الله، المهندس إسماعيل عثمان، المهندس إبراهيم محلب، المهندس سيد فاروق، المهندس محمد محسن صلاح… وصولًا إلى أبريل 2023 حين تولّى المهندس أحمد مصطفى العصار قيادة الشركة.
والمهندس العصار هو واحد من أبناء ومقاتلي المقاولون العرب منذ ٢٧ وعشرون عامًا تنقل خلالها في العمل في عدد كبير من إدارات الشركة وله خبرة كبيرة في مجالات الإنشاءات ومحطات المياه والصرف الصحي والطرق والكباري والإسكان
العصار، الذي تخرج من كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية قسم مدني، حمل منذ سنواته الأولى حلمًا واضحًا: أن يكون جزءًا من تطوير صناعة التشييد في مصر، وأن يستكمل ما بدأه أبناء الوطن العظام. بدأ مهندسًا في مواقع المقاولون العرب بمختلف المحافظات، وشارك في مشاريع قومية كبرى، إلى أن تُوِّجت مسيرته باختياره رئيسًا للشركة، ليقودها نحو انطلاقة جديدة أعادت لها هيبتها ومكانتها كـالشركة الأولى في مصر وأفريقيا والوطن العربي.
واليوم، تحصد المقاولون العرب الجوائز الدولية واحدة تلو الأخرى، وتعود مجددًا لمدّ أذرعها في الإقليم، رافعةً اسم مصر حيثما ذهبت.
هذه هي المقاولون العرب… صرحٌ مصريٌ أصيل، تربطني بمؤسسها المعلم عثمان أحمد عثمان علاقة خاصة، فقد كان لي بمثابة الأب الروحي، وسمعت منه بنفسي قصة النشأة والبناء.
ولهذه الذكريات بقية… في مقالات قادمة بإذن الله.