دمحمد عبد المنعم يكتب : في ذكري وفاء النيل      العناصر الثقيلة خطر صحي وبيئي في دلتا نهر النيلفي

في شهر أغسطس من كل عام كانت مصر تترقب منسوب مياه النيل فإذا كان مرتفعا والفيضان وشيكا فيكون الإحتفال الإستثنائي الذي كان يطلق عليه “جبرالخليج” حيث كانت القناة الممتدة من “سورمجري العيون” حاليا حتي منطقة “فم الخليج”

دمحمد عبد المنعم أستشاري صحة البيئة والميكروبيولوجيا

إلي “ميدان السيدة زينب” مرورا “بمسجد الظاهربيبرس” وإنتهاء بترعة الإسماعيلية – ثم تغيرإلي ” عيد وفاء النيل” بعد ردم جزء من الخليج لإنشاء خط ترام يربط بين السيدة زينب ومنطقة الظاهر– وتقديرا لمحورية دور النيل في الحياة الإقتصادية والإجتماعية للمصريين كان الإحتفال عيدا قوميا يعطل فيه العمل في جميع المصالح الحكومية آنذاك وتشترك الأمة كلها في هذا العيد السعيد .         و الان حيث  مصرهي الدولة الأكثرتعدادا بالسكان والأكثر جفافا في دول حوض النيل والتي تعتمد كليا علي النهركمصدروحيد لمياه الشرب والري الزراعي – لذا يظهربوضوح تأثير تلوث نهر النيل فيها بشكل خاص وحيث أن البلاد تواجه حاليا واحدة من أعلي حالات العجز في ميزانية المياه في أفريقيا منذ عام 2000 تحديدا – بعد عقود من محاولات تعويض نقص المياه بإعادة إستخدام مياه الصرف الصحي التي لم يتم عمل دراسة كاملة عليها لمعرفة مخاطرها جيدا حتي الأن – وتلقي دراسة يقودها العالم المصري عصام حجي الضوء علي آثار إعادة إستخدام مياه الصرف الغير معالج ومدي التلوث الناتج عنه إضافة إلي تحديد الأثارالبيئية للسدود الجديدة علي مجري النهر– وقد قام الفريق بتحليل مستويات التلوث ل 8 عناصرثقيلة في20   عينة من قاع دلتا نهر النيل في فرعي رشيد ودمياط ونشرت الورقة البحثية في دورية Earths Future  في 7 مارس 2023 وطبقا للبيان علي موقع phys.org في 9 مارس 2023 تبرزالدراسة التي كانت ثمرة تعاون مصري – أمريكي ضم باحثين من كلية فيترباي -جامعة جنوب كاليفورنيا وبين جامعة المنيا والمعهد القومي لعلوم البحاروالمصايد بالقاهرة خطورة هذا التلوث واسع النطاق وتآكل السواحل وتسرب مياه البحرالذي يتحدي إستدامة دلتا النيل كمصدرأساسي لأمن مصرالغذائي وتداعياته علي صحة أكثرمن 50% من سكان مصر – وفي حديث للدكتور/ عصام الباحث بكلية الهندسة جامعة USC- Viterbi- School Of Engineering عن الدافع وراء هذا الجهد البحثي ونتائجه ومقترحات تلافي مخاطر التلوث علي التوازن البيئي في دلتا نهر النيل وأثره علي صحة 60  مليون مصري – وحيث أن دلتا نهر النيل تمثل منطقة ذات أهمية إقتصادية كبيرة لمصروللنظام البيئي في جنوب البحر المتوسط وقد تعرضت الدلتا لتغيرات بيئية نتيجة للأنشطة البشرية المختلفة وتوسع النطاقات الحضرية علي حساب مساخات الأراضي الزراعية والمجاري المائية فكان لابد من عمل تحاليل للرواسب القاعية لنهر النيل في الدلتا لمتابعة هذه المستجدات – وبالرغم من أهمية تقييم جودة تربة فرعي نهر النيل بالدلتا ظلت الدراسات السابقة بعيدة عن التقييم الواسع لتركيزات العناصر الثقيلة دون إستخدام منهجية بحثية متقدمة لفهم مصادرالتلوث وعلاقة الملوثات ببعضها و تأثير العمليات السطحية المختلفة بالدلتا علي جودة التربة ولذلك قام فريق البحث بتغطية تلك النقاط الهامة  – وتظهرتركيزات العناصر بالنسبة لمعظم المحطات بفرع رشيد زيادة تدريجية بإتجاه الشمال مع زيادة المسافة من نقطة الإنقسام لنهرالنيل عند قناطر الدلتا – ومن ناحية أخري لوحظ زيادة بإتجاه الشمال في فرع دمياط لعناصرالزنك والمنجنيزوالنحاس فقط بينما تظهر تركيزات النيكل والحديد والكادميوم والكروم والرصاص توزيعا عشوائيا من دون إتجاه واضح – وتشير التحاليل الفيزيائية و الجيوكيميائية إلي تزايد مستويات التلوث في الطمي المتراكم في قاع نهر النيل حيث أكدت وجود عناصر ثقيلة مثل الكادميوم و النيكل والكروم والنحاس والرصاص والزنك – ووفقا للدراسة فإن إنتشارهذه المكونات يعزي بشكل أساسي إلي إعادة إستخدام مياه الصرف الزراعي ومياه الصرف الصحي البلدية والصناعية دون معالجة بالإضافة إلي أن الإستمرارفي بناء السدود العالية سيسبب تزايداحتميا لهذا التلوث وبالتالي يتسبب في تهديد لصحة المواطنين وتبرزالدراسة أثرعدم معالجة المياه المعاد تدويرها بشكل صحيح علي النظام البيئي من زيادة في تركيز هذه العناصروإندماجها في الطمي المتراكم بقاع النهرمما يؤدي بلا شك إلي زيادة هذا التلوث مع مرورالوقت علي عكس الملوثات العضوية التي تتحلل بشكل طبيعي – ومن المتوقع تزايد هذا التلوث الناتج عن زيادة العناصرالثقيلة بسبب بناء السدود مثل سد النهضة علي مجري النيل حيث تؤثر السدود الكبيرة التي تم بناؤها في أعلي مجري النهر علي تدفق الرواسب وتعطيل معدل تدفقه الطبيعي مما يعوق قدرته علي طرد الملوثات إلي البحرالمتوسط بشكل تلقائي لتتراكم في نهاية المطاف في القاع بشكل دائم .                                   وتكمن خطورة هذا التلوث في كونه غيرإنعكاسي (أي لاسبيل للتخلص منه) – غيرأن التدابير المستندة إلي العلم التي إفترضتها الدراسة يمكن أن تبطئ التدهورلإستعادة النظام البيئي المتوازن لدلتا نهر النيل – لهذا منعت إقامة السدود العالية في دول أوروبا وأمريكا لأثارها البيئية المعروفة أما في أفريقيا فإن الإفتقارللقوانين والتشريعات التي تقنن بناء السدود أوتمنعها جعل من بنائها والإستثمارفيها حلا سهلا يتم اللجوء إليه دون الإلتفات لعواقبه البيئية وأثره علي جودة المياه والتربة وإنعكاسه علي حياة ومصالح شعوب مجاورة وشقيقة من نفس القارة  .

وهنا يأتي دورالعلم في إثبات أونفي الأضرارالمحتملة بطريقة منهجية لسهولة الوصول إلي البيانات وجمع العينات بالنسبة للباحثين المصريين ومن ثم تقييم الضررالواقع علينا بأنفسنا – بالإضافة إلي توفيرمخرجات بحثية تتناول أثاربناء السدود كان ضمن الدوافع من وراء هذا الجهد البحثي وغيره الجاري العمل عليها مع مجموعة من الباحثين المصريين .           جمعت العينات وفق منهجية علمية مدروسة للتأكد من كونها عينات ممثلة للمناطق محل الدراسة من القطاعات المختلفة لفروع نهر النيل بالدلتا وذلك بغرض تكوين فكرة عامة و نطاقية عن مستوي التلوث في الدلتا – وقد تم تعويض قلة عدد العينات بتكاملها مع الدراسات السابقة والتحليلات الإحصائية وبيانات الإستخدامات المائية المختلفة بالدلتا .                 ولكن بلا شك فإن إستخدام عدد أكبرمن العينات ( بحيث لا يقل عن 100 عينة )يجب أن يتم بشكل دوري للحصول علي صورة أكثر دقة لمستويات التلوث حيث يتوقع أن تتباين مستويات التلوث بإختلاف الفترات لذا كلما زاد عدد العينات زادت جودة المخرجات البحثية .       ركزت الدراسة علي مستويات التلوث من العناصرالثقيلة والتي لا يمكن التخلص منها بسهولة في ظل الوضع الجيومورفولوجي والهيدرولوجي ( وضعية شكل التربة والمياه )لدلتا نهر النيل وبسبب طبيعة المعالجة لمياه الصرف الزراعي والصحي التي لا يمكنها تنقية المياه من العناصر الثقيلة بخلاف الملوثات الأخري .                                                    قورنت العديد من الدراسات السابقة سواء كانت دراسات علي نطاق صغيرأوإقليمي وخلصت هذه المقارنات إلي أن مستوي التلوث في الدلتا يتزايد مع الوقت نتيجة زيادة الإعتماد علي مياه الصرف الزراعي والصحي غيرالمعالجة في الري .                                              من الأثار المباشرة قصيرة المدي لتلوث تربة قاع نهر النيل هي قلة إنتاجية المحاصيل الزراعية و خاصة الأرزنتيجة لزيادة بعض العناصرالثقيلة مثل الكادميوم في المياه والتربة – أما علي المدي الطويل فإن إستمرارتراكم العناصرالثقيلة في تربة نهر النيل قد يؤدي الي تدهورالبيئة المائية وصحة النبات والسكان في منطقة الدلتا .

ونظرا لإرتفاع تكلفة معالجة مياه الصرف قبل إعادة إستخدامها يجب التنسيق مع جميع دول حوض النيل وذلك للوصول إلي إدارة تعاونية مشتركة للسدود وتدفقات نهرالنيل بحيث يمكن تقليل الإعتماد علي مياه الصرف غيرالمعالجة في دلتا النيل بشكل لايؤثرعلي حصص المياه أو إنتاج الكهرباء في دول أعالي النيل . كما ينبغي علي الجهات المختصة التوسع في البحوث والدراسات العلمية لإستبدال المحاصيل الأكثرإستهلاكا للمياه وإستنباط محاصيل أقل إستهلاكا للمياه في دلتا نهر النيل .

علي جميع دول العالم ومنظماته الدولية التعاون الفعال لتجنب المخاطرالناتجة عن صراعات المياه وتلوثها والتي تهدد الحياة بما فيها من إنسان وحيوان ونبات من خلال إصدارالقوانين والتشريعات والإتفاقيات الدولية الملزمة التي تحفظ حق الحياة الصحية والبيئية لكل سكان الأرض دون المساس بحقوق الأخرين.

وفي مصرتكثف الدولة جهودها في سبيل التوعية بضرورة الحفاظ علي مياه النيل والقنوات المائية من خلال حملات توعوية دائمة(ليست موسمية) مسموعة ومقرؤة ومرئية علي كل المستويات. وفي الختام نؤكد أن الهدف من الإشارة إلي هذه الدراسة ليس إثارة الخوف – ولكن مجرد دق ناقوس الخطرلأهمية معالجة مياه الصرف قبل إعادة إستخدامها بالإضافة إلي الإنتباه لمخاطر بناء السدود علي مجري نهر النيل والتوصية بأهمية مواجهة هذه المشكلة وإيجاد حلول فعالة للتخفيف من المخاطرالمتزايدة للتلوث وخاصة في القارة الافريقيةمن خلال الإتحاد الأفريقي ومنظماته الفاعلة .

      حفظ الله مصر بحفظه قيادة وشعبا وسلمت من كل شروسوء .

                      دكتور/ محمد عبد المنعم صالح

             دكتوراه صحة البيئة والميكروبيولوجيا الطبية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى