صور تنشر لأول مرة ” اللواء العربي ” تنفرد وتلتقي أسرة البطل عبدالرحمن القاضي في سوهاج

كتبت : صفاء عبدالرحمن القاضي
البطل الراحل يتحدث عن أولى ساعات نصر اكتوبر المجيد
الجندي المفقود عاد منتصرا , ولم يحقق حلم الشهادة , صورته الشهيرة عرضت على التلفزيون يوم النصر فأصبح المفقود موجودا و أصبح الشهيد حيا يرزق , تداولاتها الأنباء ففرح أهله وأهل بلدته وقالوا : “عبد الرحمن ” عايش ولم يستشهد وفعلا عاد عبد الرحمن الى بلده وأسرته وزوجته وابنته التي كانت وحيدة آنذاك صفاء عبد الرحمن التي تكتب اليوم بعد وفاة والدها في 18 رمضان 2019 في نفس شهر الحرب الذي اعتبره أهل بلدته فيه أنه شهيد , رجع المفقود وعاد والدها إلى أسرته , عاد بنصر أكتوبر منتصرا وحقق حلما لم يكن بعيدا , ولم يستبدله عبدالرحمن إلا بحلم الشهادة , واليوم فارقهم البطل عبد الرحمن وهو بكامل صحته وقوته مازال بطلا قارئا لكتاب الله , فارق الحياة ولم يكن عبئا عليها إنما كان إلى آخر يوم في حياته بطلا محاربا لكل أنواع الشرور , 
عبد الرحمن القاضي سبع سنوات في حرب أكتوبر لم يبحث فيها إلا عن النصر أو الشهادة , كان والدي عسكريا من الطراز الأول تلك السنوات السبع جعلت منه شخصا ملتزما قويا شجاعا , الإلتزام هو شعاره وقانونه كان لا يخالف القانون قيد أنملة حياته منتظمة كدقات ساعة , اعتاد على الجدية والعمل والنشاط إلى آخر لحظات عمره لم ينم ولم يرقد رغم احتياجه إلي دعامة في القلب لم ترقده بل واصل النشاط والعمل والجهد والالتزام , كان يحبه الشباب والأطفال وتلاميذه من الطلبة والمعلمين والموجهين في التربية والتعليم , كان موجها مميزا في المرحلة الابتدائية أحبه كل معلم وكان له أثر في كل مدرسة.
واليوم أكتب بعد أن توفي والدي في نفس شهر رمضان الذي انتصر فيه وتوفي أيضا فيه
لا يسعني الآن إلا أن أترك أبي يتحدث في حوار أجريته معه وتحدث معي عن يوم النصر
رحم الله أبي البطل عبدالرحمن القاضي وكل بطل حارب وقدم حياته لوطنه راضيا محتسبا في سبيل الأرض والعرض والنصر لمصر وكانت الشهادة هي أغلى ما تمنوه بعد النصر
رحم الله الأبطال والشهداء في كل لحظة نحيا بها بعدهم
صوت المعركة
عندما تتجسد الوطنية فى كلمة بطل …عندما تشخصت التضحية والإخلاص فى صورة جندي…..فإنك لن تجد إلا حرب أكتوبر منبعا للأبطال ومثالا يحتذى للنصر…والعزة…..والكرامة
رسمت حرب أكتوبر التاريخ بأحداثها وجسدت النصر بأبطالها
كتب عنها الكثيرون وأجزلوا العطاء ولم يمر عام إلا وكتبنا عن أكتوبر أبطالا وحربا ونصرا…
أمسكت قلمي اليوم ولم أكن للتاريخ عاشقا ولا للأحداث مؤرخا, إنما جاء أكتوبر بنفحات النصر ورائحة ذكرى قديمة نشأنا عليها فأيقظ فينا صوت أغاني النصر ….تتهادى على أسماعنا عبر الأجيال.
أراد قلمي أن يدخل أكتوبر من مدخل جديد ومن رؤى لم تطرق ….أردت أن أطرق في حواري شيئا جديدا أطرق به أبواب قلوبنا وأرواحنا…
معي في الحوار البطل/عبدالرحمن أحمد عبدالله
عندما سألت البطل ماذا يمثل لك نصر أكتوبر ؟
فأجابني بعد برهة تفكير: أن نصر أكتوبر هو حياتي وأغلى من حيأتي وهو الأمل الذي عشنا عليه سنين طويلة وحلمنا به وتعلقنا ونسينا من أجله حياتنا وأبنائنا وكل غالي واستمر قائلا: كنا نعيش الحرب كل أملنا هو النصر ولا تمثل لنا الدنيا أي أمل أو تعلق بها
و عن قصة بطولة لم تفارق ذاكرته فى الحرب وإلى وقتنا الحاضر أجاب :
كل الجيش المصري أبطال والقصص كثيرة جدا أطرق في تفكيره قليلا وكأنه عاد بذاكرته إلى الوراء وكانت عيناه تلمعان وكأنه عاد إلى دنيا ارتبط بها وأعطاها من عمره سنين طويلة فقال :
فى حرب الاستنزاف كنت فى الكيلو 16 طريق مصر السويس بيننا وبين مدينة السويس مسافة 16 كيل
و خضنا حربا قاسية جدا استمرت سنتين وذلك لأن إسرائيل كانت تعتمد فى سلاحها على الطيران ونحن لم نكن نمتلك من هذا السلاح الكثير وكانوا يضربوننا في اليوم 16 ساعة متواصلة ونحن نمارس حياتنا بشكل طبيعي من أكل وشرب وغسل ملابس وغيرها وكأن شيئا لم يكن نمارس حياة عادية في وسط حرب مستمرة لا تنقطع حتى أن اليهود كانوا يضربوننا يوم الجمعه 20 ساعة مستمرة لأنه يوم عطلتنا وكان الطيران الإسرائيلي يطير على ارتفاع عالى جدا لكي يتلاشى مدافعنا..مدافع م.ط وهي المدافع المضادة للطائرات
صمت البطل قليلا ثم عاد ليؤكد لي أن البطولات تزدحم فى ذاكرته حتى أنه لن يستطيع جمعها
قلت وقد بدأت استشعر الفضول الشديد.: حدثنا إذن عن لحظة وقوع حرب أكتوبر وما هي أولى بشائر النصر؟
فقال:يوم السادس من أكتوبر كنت جندي إشارة وكنا نعمل فى مشروع حرب باللاسلكي المكشوف يسمى مشروع تحرير 41
وهذا معناه أن المشروع مفتضح لدى العدو بكل تفاصيله وفي الساعة العاشرة صباحا وصلتني إشارة تقول:(يخشى أن يستغل العدو الاسرائيلي انشغالنا في مشروع تحرير 41 ترفع درجة الاستعدادات القصوى خوفا من ضربة جوية وكنا آنذاك فى حالة وقف إطلاق النار وعندما بلغت رئيس العمليات بهذة الإشارة قال لي:(سيبك من الإشارة دي)…
قلت متعجبا يا افندم يجب أن نوزعها على قادة السرايا ليستعدوا ويرفعوا درجة الاستعداد القصوى فرد علي مؤكدا أن أتجاهل تلك الإشارة تماما فقلت:(أومال ايه الجد يا أفندم؟) فأجابني بثقة :الجد أننا سوف نحارب …..
لم أصدق وقلت له :(مش هيحصل يا أفندم) وقد كانت العل
اقة بيننا تسمح لى بالحوار معه وذلك من طول العشرة بيننا فلم تصبح العلاقة جندي وقائد إنما أصبحت علاقة صداقة أكد لي القائد اننا سوف نحارب وكلفني بتجهيز بعض المهام لأني سوف أخرج معه للعبور قبل باقي الجنود أخبرت زملائي وهم بين مصدق ومكذب وعندما دقت الساعة الثانية ظهرا خرجنا من الخندق على صوت أسراب الطيران المنخفض يطير فوق رؤوسنا أسرابا أسرابا ويدخل إلى سيناء تحميه على مستوى أعلى طائرات الميراج فصرخنا انا والجنود وبقية الجيش كله بأعلى صوتنا وبكل ما أوتينا من قوة ……الله أكبر
الله أكبر صورته هي أيقونة النصر ورحل عنا اليوم في رمضان وما زالت الأيقونة تخبرنا أن الأبطال يعيشون في قلوبنا ولا يرحلون .


