سِرّ السُكّر للاديبة الشابة مريم حسين – مجموعة قصصية جديدة –

صدر حديثا عن  دار ميريت المجموعة القصصية

سِرّ السُكّر للاديبة الشابة مريم حسين 

وجريدة عرب تليجراف تنشر القصة الرئيسية للمجموعة

الاديبة الشابة مريم حسين
الاديبة الشابة مريم حسين

 أنت كَمَشاهد الصباح الباكر في أفلام خيري بشارة

الحاوي

أنظر بدقة لحلقة النار. أراقب تلّوي ألسنتها بعنف كأثر مضاجعة جنونية، بينما تستقر في ثبات الكُرات السوداء التي يتمركز فيها الجاز. أرفع رأسي لأعلى تجاه شرفة منزلنا وألمحني أقف أترقبني بحذر.  أرتكن إلى جوار الحاوي، نستعد أنا وهو للقفز في الحلقة وقد التف حولنا الناس، ونبتت رؤوس في الشرفات معظمها لسيدات استندن بصدورهن أولاً إلى الأسوار الصامدة. أشعر بهبو النار يلامس وجهي. أخاف وأتراجع. أتركه يقفز في النار وحيداً وأصعد جرياً إلى شرفتي.

غمرتُ فرشاة أسنان قديمة في غطاء الزجاجة الممتليء بالصبغة، ورطَّبتُ جفاف جلد زوجين من الأحذية. راقبت تشرّب الجلد في غضب، فمنذ ثلاثة أشهر رُدمت شوارع المنطقة بحجارة بيضاء تمهيداً لرصفها، ومن حينها والشوارع بيضاء يشوبها بعض السواد أثر سير الناس والسيارات والتكاتك والعربات الكارّو ، وأضطر كل يوم لتنظيف الحذاء الذي يُغطى بطبقة رقيقة من التراب الأبيض. أمسكت قدمي اليسرى بيديَّ أدقق في باطنها، أتتبع أثر “عين السمكة” وقد تناهى إليَّ صوت ضوضاء بعيدة.

كانت ملامحهما قرويّة، ونحن في منطقة شعبية في أعماق الجيزة ولم يأتنا حاوٍ منذ سنوات. كانا مرتبكين ويجاهدان لإخفاء ذلك. أعتقد أنهما جاءا إلى هنا تائهين.

رجل وطفلة بملابس مهلهلة، معهما أداوت في بقجة مرقَّعة غير مفهوم فيم تستخدم. استقرا أسفل شرفتنا – ناصية التقاء أربعة شوارع – جزء كبير من شعر الطفلة كان مصبوغاً بالأصفر، وفي أذنيها- عوضاً عن الحلق- فتلة دائرية معقودة. كانت منشغلة بإخراج “عدّة الشغل” من البقجة بينما يركّب والدها حلقة النار، ولشدة انشغالها لم تنتبه إليَّ وأنا أدور خلفها وشعري منسدل على كتفي بعد أن فككت رباطه وأنا أحاول – مستاءة  من سرعة حركتها- لمّ شعرها “الشعنون” في حضن “توكتي”.

لا أستطع نسيان اللحظة التي أجثم فيها الوابور العملاق على الحجارة البيضاء ليتساوى الجميع. حينها سمعت عظام قفصي الصدري وهى تُفرم وتطقطق، وليومين حرصت على التنفس بعمق حتى يعيد اندفاع الهواء إصلاح كل شيء بالداخل.

تنفستُ بعمق أيضاً حين تناسب لون “التوكة” مع لون شعرها. كانت حركتها خفيفة وهي تتقافز وراء الكرات في الهواء لدرجة أنها أعجبت الوَحش، “وَحش الحتّة” أم محمد.. تسكن أمامنا مباشرة وهي صاحبة أضخم ثديين رأيتهما في حياتي. َوقَفَت في بلكونتها أمس، بكل غدر وبصوت غليظ كلّه شماتة وبلكنة شرقاوية ، وقفت تعلن سبب طلاق إبنها البِكري، حيث أن زوجته عاقر: “طلقها.. ما هي ما بتخلفش”.

لم يتحمس الواقفون من المراهقين والأطفال للعبة البنت برغم إجادتها، ولكنها ابتلعت إحباطها وأكملت مرغمة، خاصة بعد نظرة الأب الآمره.

استندتُ إلى قدمي اليمنى تجنباً لضغط “عين السمكة”، وأبقيت اليسرى معلقة في الهواء، وأسندت ذقني على طرف الشباك أشاهد بقية الألعاب. لمحت في منزل مقابل لمنزلنا هاني وزوجته مختبئين خلف الستارة يتابعان الحاوي، وطبعا كان لابد من أن يختبئا خلف الستارة بعد ما فعلاه بالأمس ، فصوت تأوهاتهما سمعه الشارع كله، والشارع كله أتته حكمة الصمت فجأة، فكان الصوت واضحاً وكل شخص يضيف بخياله، و”هو وشطارته”.

منذ فتره ليست بالقصيره تنازلتُ عن علبة الورنيش الصاج، واتجهتُ -استسهالاً- إلى الورنيش الكريمي، فهو أسهل وأقل تلويثا لأصابعي، ولكن كسهولة وضعه يُمحى أيضاً أثره بسهولة. دَهَنت الحذاء بسرعة وواصلت المتابعة بأذني إلى أن انتهيت وعدت إلى الشرفة بحماس.

نَبَشَت الفتاة في البقجة وأخرجت عدة أشياء، ثم أمسكت ببيضة بلاستيكية بحجم كف يدها، بينما لفَّ الحاوي أسفل الشرفات يلتقط بعض النقود البسيطة الملقاة من أعلى. هذا ما يُطلق عليه فعلاً “رزق من السماء”.

دارت الفتاة على الناس وهي تقفز كالأرنب، وبين لحظة وأخرى تضع يدها على مؤخرتها الضئيلة ثم تفتح كفها لتكشف عن البيضة التي باضتها. يضحك بعض الأطفال بينما يسخر معظم الواقفين ، غير مقتنعين بما يحدث،لا باعتباره سحراً، ولا حتى مجاملة. الوحيد الذي ضحك من قلبه هو الفتاة نفسها.. أعجبتها اللعبة.

لاحظ الحاوي عدم تفاعل الناس. أوقف الفتاة أمامه وأخرج من البقجة طرطوراً مرقَّعاً وحذاءً ضخماً وألبسهما لها، ثم وقفا يتبادلان حواراً بصوت مرتفع:

-قولي أنا بنت حلال يابا.

تتصنع الفتاة عدم السماع جيداً وتردد:

-أنا بنت حمار يابا!

ينفجر الجميع ضاحكين على السباب، مما يجعل الحاوي يردده أكثر من مرة، ماحياً أثر ثقل ظل الفقرات السابقة.

لم يعجبني ذلك. وكمساعدة مني جلست على حَجَر وسط أقدام الناس ألملم الأشياء التي تبعثرت من البقجة، والتي فَشِلتُ في معرفة ماهيتها أواستنتاج شكل محدد لها، تحاشيت ساق الحاوي أكثر من مرّة بينما اندمج هو متحمساً للحوار والضحك وداس على قدمي اليسرى مما جعلني أصرخ متألمة في غضب: “تصدق أنا غلطانة!”.

وانسحبتُ من الزحام، أعرج متألمة إلى شرفتي.

ردد أحد الواقفين بسخرية: “ياعم خلَّص وولع النار”.

أنهى فقرة سِبابُه، وأخذ يسكب بحرص قطرات الجاز على حواف الحلقة السوداء، ويزيد منه على الكرات المتناثرة على الحلقة. في ذلك الموقع بالضبط اشتعلَت من أسبوعين نار لم تشتعل مثلها في “الحتّة” من قبل، ووقف الجميع مذهولين من الجرأة، ولا يجروء أحد على التدخل  في هذا الحدث الخطير. هنا تحديداً وقفت امرأتان تصرخان في بعضهما بأحداث أنا عن نفسي لم أستطع ربطها معاً، ولكن حين تردد إسم سيد الكهربائي زوج إحداهما، بدأت الأمور تسوء، والجلاليب تُمزق، والطُرح تسقط، والناس في حالة ذهول، والجميع يبتعد ويتابع عن بعد خناقة ” إتنين نسوان بسبب راجل”.

تعادلت المرأتان حتى في كمية الشعر الكبيرة التي تقطعت إثر الجذب القاسي، وكمية الدموع إثر ألم الضرب وجذب الشعر.  حتى قذارة الشتائم تساوت. أجّل تفاقم الخلاف البكاء الشديد لطفل السيدة الأخرى، بينما لمّت الزوجة شعرها في منديلها ومضت تبرطم بسباب وتهديد وهي تستحلف وتضرب كفيها ببعضهما وتتوعد باسترداد خمسين جنيهاً .

ساد صمت تام وحَذِر، اقتربتُ أنا والحاوي من الحلقة الموقدة إستعداداً للقفز. وعندما شعرت بهبو النار يلامس وجهي خُفت وتراجعت ، تركته يقفز وحيداً وصعدتُ أنا جرياً إلى شرفتي.

قفز الحاوي. شهق البعض، وهللت نساء الشرفات، ولمعت أعين بعضهن بإعجاب ، بينما راحت مجموعة المراهقين -وكان معظمهم منشغلين باللعب في تليفوناتهم المحمولة معظم العرض- تضحك في سخرية: “عادي يعني.. مش صعبة”، وصاح أحدهم: “أنا ممكن أعملها على فكرة “.

اقترح عبدالله إبن الحاج طِلِب الموّان والذي ترك منذ عام مدرسته الثانوية ليقف في دكان أبيه نهاراً يبيع البويات وفجراً يبيع الحشيش، إقترح على الحاوي أن يعيد إشعال الحلقة ويسمح له أن يقفز خلالها مقابل أن يمنحه جنيه في القفزة ، تحمس الواقفين للفكرة وهَللوا مطالبين الحاوي بإعادة إشعال الحلقة .أنهى كل ذلك خروج زوج الوحش- أبو محمد- الأستاذ نجمي المحامي القدير الذي يعود إلى منزله كل يوم في تاكسي . خرج فجأة من شرفته غاضباً محمرّ الوجه أثر محاولة نوم، وزعق في الحاوي: “إنت ياجدع إنت.. خلَّص وأمشي يلَّا بقالك ساعة.. راجعين من أشغالنا تعبانين وعاوزين ننام”.

فاض الكيل بالحاوي ولمَّ عدته غاضباً: “ماشيين يا عم خلاص”. بينما اكتست ملامح الفتاة بالإحباط والحزن وهي ترفع البقجة على ظهرها الهشّ.

أفسح الناس لهما الطريق، فانطلقا غاضبين بسرعة رغم الأحمال. وللأسف لم يصغيا إليَّ  وأنا أجري وراءهما مسرعة، أحاول تهدئة الموقف وأعرض على البنت بأن لدي أنواعاً عديدة من الخرز وأنني أستطيع أن أصنع لها حَلَق جميل وعُقد أيضاً .. ومن الممكن أن أعطيها حذاء لمعّته حديثاً .

يواصلان السير دون الرد علىّ.. أقدم لها حلاً : إذا كان حذائي واسعاً على قدميها تستطيع أن تضع به “فَرش”، أو أن تحشوه بالجرائد.

ينحرفان في شارع جانبي. لا أيأس، وأواصل الجَري وراءهما وقد بدأتُ أعرج بقدمي اليسرى، وأنا أحكي للفتاة عن قريبي الذى عندما يخلع أحذيته يحشوها جرائد لحين ارتدائها ثانية، فهو دائم الخوف من العناكب، وهو على يقين أنها سوف تختبيء له بداخل أحذيته، فإما أن “يفعصها” بأصابعه، وإما أن تعضه هي وتقتله، و…

تشير الفتاه إليَّ دون أن تلتفت محركة ذراعها تجاهي بإهمال يقضي بجملة “يا شيخة روحي كده.. ينعل أبوكوا!”.

موعدنا الاربعاء القادم مع القصة الثانية

الخطة

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى