د. فارس قائد الحداد » : لماذا أصبحت كوريا الشمالية نموذجًا يُثير الجدل حول القوة والتطور؟

لم تعد كوريا الشمالية دولة هامشية في النظام الدولي، بل نجحت خلال السنوات الأخيرة في فرض حضورها السياسي والعسكري بصورة لافتة، جعلت منها لاعبًا لا يمكن تجاهله في معادلات القوة العالمية. ويأتي الظهور المتكرر للزعيم كيم جونغ أون محاطًا بترسانته العسكرية المتطورة — كما تنقله وسائل الإعلام الدولية — ليطرح تساؤلات عميقة حول حجم التحول الذي شهدته هذه الدولة المعزولة، وإلى أي مدى وصلت في بناء قدراتها الدفاعية والاستراتيجية.

د.فارس قائد الحداد

فعلى الرغم من العقوبات الدولية القاسية والتحديات الاقتصادية والسياسية التي واجهتها ولا تزال، استطاعت بيونغ يانغ أن ترسخ موقعها كقوة ردع حقيقية، تمتلك أدوات التأثير والضغط في محيطها الإقليمي وعلى المسرح الدولي. هذا الصعود لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج رؤية تقوم على الاعتماد على الذات، وتعبئة الموارد الوطنية، وتوجيهها نحو بناء القوة الصلبة للدولة.

سياسيًا، تتبنى كوريا الشمالية خطابًا يقوم على الندية ورفض الهيمنة الخارجية، مع التأكيد على سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. وقد منحها ذلك مساحة للتحرك كطرف مستقل خارج المنظومة الغربية، وجعلها — رغم عزلتها — عنصرًا حاضرًا في توازنات القوى الكبرى.

أما عسكريًا، فقد حققت قفزات نوعية في تطوير برامجها الصاروخية والنووية، حتى باتت ضمن الدول القليلة القادرة على فرض معادلة الردع الاستراتيجي. ويعكس ذلك إيمان القيادة هناك بأن العالم المعاصر تحكمه موازين القوة قبل أي شيء آخر، وأن الأمن القومي لا يُصان إلا بالقدرة على الدفاع والهجوم معًا.

ويرى مراقبون أن تسارع سباق التسلح عالميًا — سواء بين القوى الكبرى أو الإقليمية — يطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل العالم على أعتاب صراعات كبرى جديدة؟ أم أن ما يجري مجرد إعادة تموضع للقوى استعدادًا لمعادلات دولية مختلفة؟ في الحالتين، تبدو كوريا الشمالية وكأنها تُعد نفسها ليس فقط لمواجهة تحديات الحاضر، بل لمستقبل قد يكون أكثر اضطرابًا.

اقتصاديًا واجتماعيًا، تظل الصورة أكثر تعقيدًا. فبينما تؤكد السلطات تحقيق إنجازات تنموية وتحسينات معيشية، تشير تقارير دولية إلى استمرار صعوبات اقتصادية حادة نتيجة العزلة والعقوبات. وهنا يتجلى التناقض بين نموذج دولة قوية عسكريًا لكنها محاصرة اقتصاديًا.

يبقى السؤال الأهم: هل يمكن اعتبار التجربة الكورية الشمالية نموذجًا يُحتذى به للدول العربية ودول الشرق الأوسط وأفريقيا؟
الإجابة ليست بسيطة. فنجاح دولة في بناء قوة ردع لا يعني بالضرورة نجاحها في تحقيق الازدهار الشامل أو الرفاه الاجتماعي. التجارب الوطنية لا تُنقل حرفيًا، بل تُقرأ في سياقها التاريخي والثقافي والسياسي.

إن الدرس الأبرز من التجربة الكورية الشمالية — بغض النظر عن الموقف منها — هو أن امتلاك الإرادة السياسية الواضحة، وتحديد الأولويات الوطنية، وبناء عناصر القوة الذاتية، تظل عوامل حاسمة في بقاء الدول وقدرتها على فرض حضورها في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.


عضو فريق حقوق الإنسان الدولي – منظمة العفو الدولية
صحافي وحقوقي يمني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى