
مني عبدالغفار خليفة : ثورة يناير… من لحظة الغضب إلى سؤال الدولة الحديثة
لم تكن ثورة 25 يناير مجرد انفجار غضب عابر، بل لحظة كاشفة أعادت طرح السؤال الأهم في التاريخ السياسي المصري المعاصر: كيف تُبنى دولة حديثة عادلة دون التفريط في الاستقرار؟ هذا السؤال، الذي لا يزال مطروحًا حتى اليوم، يشكّل جوهر أي قراءة ناضجة لتلك اللحظة الفارقة.
إن القيم التي خرج بها المصريون إلى الشوارع في يناير—العدالة الاجتماعية، والحرية، والكرامة الإنسانية—لم تكن شعارات طوباوية، بل تعبيرًا صريحًا عن اختلالات حقيقية في بنية الدولة والمجتمع، وعن حاجة ملحّة لإصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي متوازن. غير أن التجربة أثبتت أن التغيير الجذري غير المنضبط قد يفتح أبواب الفوضى بقدر ما يفتح نوافذ الأمل، وهو ما يجعل الإصلاح المتدرج والمسؤول خيارًا لا غنى عنه.
من هنا، تبدو ثورة يناير أقرب إلى “خارطة طريق” منها إلى محطة تاريخية مغلقة؛ خارطة تؤكد أن بناء دولة ديمقراطية حديثة لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بتعزيز كفاءة المؤسسات، وترسيخ دولة القانون، ودعم استقلال القضاء، وتوسيع المشاركة السياسية في إطار يحمي الأمن القومي ويحافظ على تماسك الدولة.
كما أن الثورة، رغم تعقيداتها، نجحت في كسر احتكار السياسة، ودفعت ملايين الشباب للاانخراط في الشأن العام، وحوّلت النقاش حول الحقوق والواجبات إلى حديث يومي في المجال العام. وهي مكاسب معنوية لا تقل أهمية عن أي إنجاز مادي، لأنها أعادت تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
إن استدعاء ذكرى يناير اليوم لا ينبغي أن يكون فعل حنين أو انقسام، بل فرصة عقلانية لاستخلاص الدروس، والبناء عليها في مسار إصلاحي شامل يوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق ومتطلبات الدولة، وصولًا إلى دولة قوية بمؤسساتها، عادلة بسياساتها، وقادرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها.