
الكاتبة الفلسطينية رولا غانم الحاصلة على جائزة «كتارا»: حين جروا ابنى من بين يدى تمسكت بالقلم لأحافظ على ما تبقى من قلبى
الأدب الفلسطينى ذاكرة وطن يكتب تحت النار.. ووراء كل جائزة حكاية وجع وأمل
كتب أحمد فوزي
فى قلب الحصار، حيث تتقاطع أنفاس الحياة برائحة البارود، ويمتزج الضوء بالعتمة، تكتب الدكتورة رولا غانم حكايتها كأنها تنسج خيوط نجاة في ليلٍ طويل. هي ابنة الأرض التي لا تنام، ابنة فلسطين التي ولدت من رحم الألم، ولم تترك القلم حتى وهي تكتب تحت الرصاص.
من بين الدمار والظلال، ولدت روايتها «تنهيدة حرية»، تلك التي جعلت صوتها يعبر الأسلاك الشائكة إلى المنصات العربية والعالمية، حتى تُوّجت بفوزها بجائزة كتارا للرواية العربية. رواية كُتبت ـ كما تقول ـ «في عين القهر والمحنة»، فكانت كطائر مكسور الجناح، استطاع أن يُحلّق رغم القيود، لأن الجائزة منحت لتغريدته مدى جديدا، وصوتا أبعد من حدود المخيم والأسوار.
رولا، التى تُشبه حكاياتها نفسها، لم تكن فقط كاتبة، بل كانت ابنة مطارد عاش وطنين فى قلب واحد. فوالدها الذى لوحق من الاحتلال فى شبابه، عاش منفى قسريا بين حدود مزقت العائلة، وعاد بعد أعوام ليكمل حياته محروما من رؤية أهله، لكنه غرس فى ابنته بذرة الصمود والكلمة الحرة.
وحين كبرت رولا، حملت هى الأخرى نصيبها من الفقد والوجع. فابنها يزن ـ الصغير الذى لم يعرف من الطفولة سوى ظل الاحتلال ـ اقتيد من بيته بعد منتصف الليل، وجره الجنود بعنف لن تنساه أمه أبدا. منذ تسعة أشهر، وهى لا تعرف عنه شيئا، سوى أنه مريض، منهك، وأن قلبها يذهب إليه فى كل لحظة. ومع ذلك، لم تترك القلم، وتقول: «لجأتُ إلى الكتابة كمداد أمل فى زمن خانق، ووسيلة نجاة لا يملكها سواي».
بهذا المزيج من الوجع والعزيمة، تجلس رولا غانم اليوم لتبوح، لا ككاتبة نالت جائزة مرموقة فحسب، بل كروح فلسطينية تكتب لتبقى الأمل حيا، ولتقول إن الكلمة ـ حين تولد من الألم ـ قادرة على أن تُهزم الموت.
صوتٌ يعبر الحصار
تبدأ الدكتورة رولا حديثها المحمل بثقل التجربة قائلة: «جائزة كتارا تعنى لى الكثير، لأنها جعلت صوتى يصل إلى العالم فى ظلّ الحصار. كتبت روايتى «تنهيدة حرية» فى عين القهر والمحنة، وحين وصلت إلى منصة كتارا، شعرت كأن صوتى عبر الأسوار كلها».
تتوقف قليلا، ثم تتابع فى تأملٍ يشبه النشيد: «شبّهتُ الرواية بالطائر، والجائزة بتغريدته، لأنها حين تقترن بالعمل الروائى تمنحه جناحا جديدا، فصوت الجائزة يعزف فى آذان جماهير لم يكن ليصلها العمل بذات الإيقاع. إنها تُثرى المشهد الروائى، وتمنح الكاتب منصة أوسع وجمهورا أعمق».
إهداء إلى الخراب
حين سألتها عن الإهداء الغريب فى روايتها، أجابت بعمق يشبه وجعها: «نعم، ربما بدا الإهداء غريبا، فقد أهديت الرواية إلى الخراب. لكنى فعلت ذلك من باب التحدى، لأن الخراب فى حياتنا لم يكن إلا وجها آخر للحرية. لم يقف معنا أحد، سوى أولئك الأحرار الذين تظاهروا فى أنحاء العالم دعما لفلسطين، وهؤلاء مكانهم فى قلب كل فلسطينى.
وعن «تنهيدة حرية» الفائزة بالجائزة، تقول رولا: الرواية تدعو إلى عدم الاستسلام، إلى ألا ينال الشرير من عزيمتنا. إنها تغرس الأمل فى النفوس رغم قسوة المشهد، وتدعو إلى ثورة على كل أشكال الظلم، لا على الجلاد فحسب. كما تدعو إلى تمكين المرأة اقتصاديا لتستقل إن وقع عليها ظلم”.
الكتابة فى وجه القهر
تستعيد رولا محطات حياتها بشىء من الصلابة والحنين معا: «فى ظلّ الاحتلال، كانت الطريق مليئة بالعقبات، لكننا لا نصمت ولا نموت. ثابرت كثيرا وتفوقت فى دراستى، أكملت الدراسات العليا، وانتقلت إلى التدريس، ورفعت اسم بلادى فى محافل دولية. كتبت روايتى الأخيرة فى عين الظلم والقهر والموت، لأن الكاتب الحقيقى هو من يجسد معاناة شعبه. نحن نكتب تحت الرصاص، وننبت الأمل حيث يظنون أنه مات، فالأدب الفلسطينى ذاكرة وطن يكتب تحت النار.. ووراء كل جائزة حصلت عليها حكاية وجع وأمل».
أب مطارد وابن أسير
تصمت قليلا وكأنها ترى مشاهد تمر أمامها لتعاود الحديث بصوت تستطيع أن ترى الدموع تنهمر عبره لتقول: عشت تحديا كبيرا، فقد لوحق أبى فى شبابه من قبل قوات الاحتلال وأبعد الى الخارج وعاد بعد سنوات وحرم من أهله ولم يلتق بهم فقد كانوا يسكنون داخل حدود الخط الأخضر فى المناطق، التى احتلت عام 48 وهو فى تلك التى احتلت عام 67، وعانى أهوالا وعاش بين وطنين وقلبه كان معلقا. هذا بالنسبة لمعاناة أبى فقط حرم من أهله وكافح حتى يربينا. إن المحنة الكبرى تلك التى أعيشها منذ تسعة شهور وحتى الآن، وتحديدا خلال فتره الحرب عندما تم اعتقال ابنى الصغير يزن، وهى تجربة قاسية وصعبة جدا، فأنا دائما أساند أمهات المعتقلين، ولكن عندما جربت الشعور كان صعبا جدا جدا، انا لجأت للقلم الذى شكل لى مدادا آمنا، فلم يكن امامى فى ظل هذا الحصار والقهر إلا اللجوء للقلم، ماذا أقول لك مازلت أتذكر المشهد القاسى، حين تم اعتقال يزن بعد منتصف الليل وجره بطريقة وحشية، هذا المشهد صعب تجاوزه وقد أثر علىَّ كثيرا. شعرت بالحزن لكنى تمسكت بالقلم لأحافظ على ما تبقى من قلبى. يزن لايزال فى سجون الاحتلال ولا اعرف شيئا عنه سوى انه اصيب بعدة امراض، منها مرض سكاربيوس «الجرب» وخسر عشرات الكيلوجرامات من وزنه، فهو يعيش تجربة صعبة على صغر سنه، لكن أنا امرأة صابرة وأملى بالله كبير، إن شاء الله فرجه قادم.
المرأة فى مرايا الكتابة
وننتقل برولا إلى الحديث عن الأدب الذى يعبر عن الواقع لتقول: «الكاتب ابن بيئته، ومن الطبيعى أن يعبر عن هموم شعبه، وأكتب عن المرأة لأنها نصف المجتمع، ورغم كونها الأكثر معاناة، تظلّ هى الأكثر صبرا وقدرة على النهوض. فى «تنهيدة حرية» تبدأ المرأة ضعيفة، ثم تقوى وتنهض وتأخذ حقها، فأنا أدعو دائمًا إلى تعليمها وتمكينها اقتصاديا حتى لا تقع تحت رحمة أحد. أنا انتصر للنساء وأقويهنّ».
كتابة تحت الحصار
وبسؤالها عن التحديات التى واجهتها فى التقديم للجائزة فى ظل ظروف الحرب والتوتر السائد قالت: «من أصعب التحديات أننى لم أتمكن من إرسال نسخ ورقية من الرواية إلى لجنة الجائزة بسبب الحصار والاجتياح. ومع ذلك، تفهمت إدارة كتارا الموقف واعتبرت نسخة الـ«PDF» استثناء مستحقا. والحقيقة أن هذا الدعم منحنى طاقة عظيمة.. وواجهت أيضا تابوهات مجتمعية تتعلق بالدين والجنس، فمجتمعنا يغفر للرجل ولا يغفر للمرأة. كنت حذرة فى تناول هذه القضايا، لأن الكاتب لا يريد أن يغلق الأبواب قبل أن يفتح النوافذ».
أوسمة من وجع وأمل
وتتحدث رولا عن الجوائز التى حصلت عليها بنبرة امتنان عميق: «بعضها مادى وبعضها رمزى، لكنها جميعا ذات قيمة معنوية كبيرة، من بينها وسام الذهب عن رواية «لا يهزمنى سوى إسطنبول»، وجائزة المرأة المبدعة فى غزة، وهى الأقرب إلى قلبى، لأنها منحتنى لحظة اختراقٍ لكل الحواجز، ودخول غزة للمرة الأولى ولقاء أهلى هناك. واليوم تتوج رحلتى جائزة كتارا، وهى جائزة رفيعة المستوى بحق».
الكتابة كمقاومة
وصفت رولا الأدب الفلسطينى قائلة فى جوهره مقاومة، وفى الحرب الأخيرة، كتب كثير من الأدباء من غزة والضفة، فكان القلم سلاحهم. الأدب وثّق المعاناة، وأكّد الهوية. من غزة كتبت آلاء قطراوى وناصر عطالله وغيرهم، ومن الضفة كتبت أنا ودينا السمان. كلنا نحاول أن نكتب للحياة رغم الحصار.
امرأة من ضوء وصمود
تستعيد أنفاسها، وتتحدث بثقةٍ قائلة: «أنا أكاديمية، أدرّس فى الجامعات، وناشطة فى المجال الإنسانى. أسست فريق صناع الحياة الفلسطينى الذى أطلق عشرات المبادرات منذ جائحة كورونا، وخلال الحرب عملنا كخلية نحل. ربما الظروف القاسية صقلتنا وجعلتنا أقوي».
ختمت رولا غانم حديثها عن بيتها وأولادها لتقول: «فى بيتى، الجميع متفهّم لطبيعة عملى. لدى ثلاثة أولاد: قيس الموظف، وأحمد الطبيب، ويزن الأسير، وابنتى ميرا الموهوبة التى تكتب وترسم. نحن عائلة من الحلم والصبر،
نعيش مثلنا مثل شعبنا، لدينا يقين بأن الاحتلال إلى زوال، مهما طال الزمن وأن الألم جعل الكلمة أقوى والقلم سلاحا لتغيير العالم، أو على الأقل لصناعة عالم أجمل يخلو من الحرب».