
جعفر العلوجي : عدالة على الطريقة الأبوية
في طفولته كان الكاتب الهندي الساخر بهيشام ساهني يسرق السجائر من والده، والوالد المسكين كلما وجد نقصا في العلبة نادى على الابن الأكبر و”علمه الأدب” كعادته والابن يقسم بكل ما هو مقدس أنه بريء، لكن الأب لا يقتنع فصورة “الولد الكبير المشاغب” محفورة في ذهنه .
وذات ليلة قرر الأب أن ينصب كمينا ليمسك السارق بالجرم المشهود، فتمدد على الفراش متظاهرا بالنوم ينتظر أن يدخل ابنه الكبير للسرقة لكن المفاجأة كانت حين ضبط الصغير متلبسا .
هل اعتذر الأب؟ طبعا لا ! بل قال بثقة الحكماء “أكيد أخوك الكبير بعثك”. ثم ذهب ليكمل المهمة ويعيد توزيع الضرب بعدالة تامة .
هذه القصة ليست مجرد طرفة عائلية، بل مرآة لعدالة المجتمع التي توزّع على الهوية لا على الفعل، على “السمعة” لا على “البرهان”.
كم من أخ كبير وأستاذ ومدير وموظف وجد نفسه تحت مطرقة الاتهام لمجرد أن أحدهم قرر أنه “ينفع يكون المتهم” .
نحن في مجتمعاتنا نحب أن نحسم القضايا بسرعة، لأننا لا نملك وقتا للبحث عن الحقيقة، فالحقيقة متعبة وتحتاج دليلًا، أما الاتهام فمجرد جملة من كلمتين: “أكيد هو”.
المشكلة أن بعض الآباء مثل بعض المسؤولين لا يحتملون فكرة أنهم يمكن أن يخطئوا فإذا واجههم الواقع ببراءة المتهم، اخترعوا واقعًا جديدا “أكيد وراه أحد” .
وهكذا تستمر العدالة الأبوية في المجتمع
يضرب الأب الابن الخطأ، ويبرر المعلم ظلم الطالب الذكي ويعاقب المدير المجتهد بدل المقصّر وكل واثق أنه “يحمي النظام” .
النتيجة؟
جيلاً يتعلم أن الاعتراف لا ينفع وأن الصدق لا يُكافأ، وأن أفضل وسيلة للنجاة هي أن تتقن دور “النائم” مثل الأب فلا ترى ولا تسمع كي لا تتّهم بشيء .
ففي مجتمعات العدالة الأبوية، المذنب الحقيقي لا يعاقب بل يصبح خبيرا في النجاة من الكمين .